السلطة تعمل على قاعدة «بكرا بيتعودوا»: ارتفاع الأسعار فاحش
يتعامل وزير الاقتصاد عامر البساط مع ضبط الأسعار انطلاقاً من مقاربة أيديولوجية واضحة، تقوم على الحدّ من تدخل الدولة، وترك السوق تؤدّي دورها. فالتوسع في فرض الأسعار والقيود، بحسب هذه المقاربة، ينتج تشوّهات تصعب معالجتها مثل تخزين السلع وحجبها والتهريب… لذلك، يفضّل البساط التركيز على الرقابة وملاحقة المخالفات.
لكن في لبنان، المشكلة تبدأ في هذه الحلقة تحديداً؛ الدولة تراهن على المنافسة في أسواق لا تتوافر فيها شروط المنافسة، وحين تقرّر التدخل، لا تملك دائماً القدرة على فرض تدخّلها فتصدر تسعيرات لا يلتزم بها أحد، وتنظم محاضر المخالفة من دون أن تكون لديها قوّة الردع، وتبدأ الملاحقة فتصير الحاجة ماسة إلى قضاء وأجهزة أمنية وبلديات بلا نتائج فعّالة. وبين سلطة تمانع التدخّل، وسلطة لا تستطيع أن تفرض تدخلها حين تقرّره، يدفع المستهلك الثمن دائماً. نظرياً، لمقاربة الوزارة أساس اقتصادي معروف. ففي السوق التنافسية، تترك الأسعار للتوازن بين العرض والطلب وتلعب المنافسة دورها في منع التجّار والموردين من فرض الأسعار ورفعها بشكل فاحش. يرفع أحدهم السعر، فيذهب المستهلك إلى غيره.
لكن ماذا لو لم يكن هناك «غيره» أصلاً؟ أو ماذا لو كانوا يعملون ضمن نظام احتكار الجماعات؟ هذا هو واقع قطاعات أساسية في لبنان، حيث تتركّز بعض الأسواق لدى عدد محدود من اللاعبين، وتتداخل المصالح الاقتصادية مع الحمايات السياسية والمحلية، فيما لا يملك المستهلك دائماً ترف الانتقال من مزوّد إلى آخر. وبالتالي، قبل ترك السوق «تضبط نفسها»، يفترض السؤال أولاً: أي سوق؟ وأي منافسة؟
لا يأتي هذا النقاش فيما الأسعار مستقرة. فقد سجّل مؤشر جمعية المستهلك في النصف الأول من عام 2026 ارتفاعاً حادّاً بلغ 19.05%. هذا المؤشر يشمل 140 سلعة وخدمة أساسية لا يستغني عنها أي منزل. وبالتأكيد، هناك أسعار يمكن إيجاد مبرّر لرفعها، مثل الزيادات التي طرأت على أكلاف الاستيراد والطاقة والشحن، لكن من يتحقق من أن سعر المبيع لايتضمن أرباحاً فاحشة؟ ومن يمنع تحوّل كل ارتفاع في الكلفة إلى فرصة لزيادة أكبر في هامش الربح؟
ترك الأسعار للسوق يفترض، ببساطة، وجود منافسة بين التجّار على خفضها. أما عندما يتركز الاستيراد أو التوزيع لدى عدد محدود من الجهات ضمن سوق صغيرة نسبياً، أو يصعب دخول منافسين جدد، تتعطّل آلية العرض والطلب ولا تعود كافية لكبح الطمع التجاري، بل يصبح الأمر أكثر تعقيداً حين تقف خلف بعض أصحاب المصالح القوّة الاقتصادية إلى جانب النفوذ السياسي أو النفوذ المحلي.
المولدات الخاصة تختصر الحكاية كلها. لا يختار المشترك، في معظم المناطق، بين خمسة أصحاب مولدات يتنافسون على تقديم السعر الأفضل. هناك صاحب مولد يغطي منطقة محددة، والمواطن يحتاج إلى الكهرباء، فيما كهرباء الدولة لا تشكل بديلاً فعلياً. أي إن المستهلك الذي يفترض أن «يعاقب» السعر المرتفع بالانتقال إلى المنافس لا يملك هذه الأداة أصلاً. واللافت أن الدولة تتدخل هنا بالفعل عبر إصدار تسعيرة شهرية للمولدات، لكنها سرعان ما تصطدم بالسؤال الأصعب: من يلتزم بها؟ والجواب: «قلّة قليلة، إن وجدت».
وزارة الاقتصاد تستطيع الكشف وتنظيم المحضر، لكن الإجراءات الأشدّ تحتاج إلى القضاء والأجهزة الأمنية والبلديات. الغرامة قد لا تكون رادعة، والملاحقة قد تطول، وإذا دخلت الحماية السياسية أو المحلية على الخطّ، تتحول مخالفة التسعيرة، إلى معركة عنوانها «البقاء للأقوى». وما حصل في زمن ليس ببعيد في ساقية الجنزير يعكس هذه المعضلة بوضوح. فبمجرد أن وصل الإجراء إلى صاحب أحد المولدات، خرج النقاش من حدود المخالفة والتسعيرة، وتحوّل في لحظات إلى قضية ذات بعد طائفي وسياسي. وهنا تحديداً يظهر سقف الرقابة الممنوع تجاوزه في كثير من الأحيان بحجّة «حماية للسلم الأهلي».
في المقابل، قدّمت طرابلس نموذجاً آخر في الأيام الأخيرة. بحسب مدير عام وزارة الاقتصاد محمد أبو حيدر، صودرت أكثر من عشرة مولدات وسُلمت إلى البلدية بناءً على إشارة النائب العام الاستئنافي في الشمال. وبالتوازي، أُعطيت توجيهات إلى أمن الدولة للتحرك في ملف «تجار الأزمات»، ومن بينهم بعض أصحاب المولدات. إذاً، الدولة تستطيع. لكن عندما تتحرك كدولة بجميع أجهزتها وبمتابعة كل طرف وتنفيذ التزاماته دون خوف أو تغطية لأحد. وهنا السؤال: لماذا يُعامل ما حصل في طرابلس وبعض المناطق الأخرى كتجربة يفترض أن تنجح وتُعمّم، فيما يفترض أن يكون هذا هو المسار الطبيعي لتطبيق القانون؟ ولماذا يتطلب إخضاع صاحب مولد، لتسعيرة رسمية، إلى اجتماع كل أجهزة الدولة خلفها؟ والأهم، هل يحصل الأمر نفسه في كل منطقة ومع كل صاحب مولد، مهما كانت مرجعيته؟
المولدات ليست سوى المثال الأكثر وضوحاً. المشكلة نفسها، وإن بأشكال مختلفة، موجودة في أسواق السلع الأساسية. فإذا كان عدد المستوردين أو الموزعين محدوداً، لا يكفي القول إن العرض والطلب سيضبطان السعر. المطلوب أن تعرف الدولة من يستورد، ومن يوزع، ومدى تركّز السوق، وكيف تتكوّن هوامش الربح، وما إذا كان ارتفاع السعر ناتجاً فعلاً من ارتفاع الكلفة. ولا يعني ذلك العودة إلى تسعير كل سلعة على الرف. فالتسعير الشامل قد يؤدي فعلاً إلى التخزين ونقص العرض والتهريب والاحتكار. لكن لماذا يكون الخيار إما تسعير كل شيء أو ترك كل شيء؟
إذاً، تقع مسؤولية الدولة ضمن رؤيتها التحرّرية، أن تخلق المنافسة. لا يحصل هذا الأمر من دون أن تتدخل ولو بعدد محدود من السلع والخدمات الأساسية، لا سيما عندما تكون السوق محتكرة أو شديدة التركّز، أو عندما لا يملك المستهلك بديلاً. سقف للسعر، ضبط لهامش الربح، أو معادلة مرتبطة بالكلفة، كما يحصل أصلاً في المولدات. لكن حتى أفضل تسعيرة لا قيمة لها إذا لم تكن هناك دولة قادرة على فرضها. إذا كانت الغرامة لا تردع، تُرفع. وهنا تجدر الإشارة إلى ما قاله حيدر بخصوص قانون حماية المستهلك الجديد والذي في رأيه من المفترض أن يكون رادعاً بشكل أكبر خصوصاً مع رفع قيمة الغرامات.
كما أنّه إذا كانت الملاحقة تحتاج سنوات، فهناك خلل في عمل الأجهزة الأمنية والقضائية. وإذا كان تطبيق القرار يتغير بحسب المنطقة أو نفوذ المخالف، فالمشكلة لم تعد في التسعير، بل في سلطة الدولة نفسها. هنا المفارقة الأكبر. فالدولة تستطيع أن تحسب بدقّة كلفة تصحيح رواتب موظفيها، وأن تحدّد ما تستطيع دفعه وما لا تستطيع، وأن تقسّط مستحقاتهم تحت عنوان حماية المالية العامة. كما تستطيع أن تأخذ قرارات «غبّ الطلب» من تعيينات وفرض ضرائب ورسوم جديدة وتشريع احتلال هنا، وقتل هناك، ومنح عفو عام لأكبر المجرمين، ولكن أن تردع صاحب مولّد «يتحكم» في الناس أو تاجراً يرفع الأسعار كلما تعكر مزاجه، فهنا يصبح الموضوع خارجاً عن قدرتها وسيطرتها.
في النهاية، كل طرف قادر على تمرير الكلفة إلى الطرف الذي يليه: المستورد إلى الموزّع، والموزّع إلى التاجر، والتاجر إلى المستهلك، وصاحب المولد إلى المشترك. وحده الموظف أو الأجير يقف في آخر السلسلة. لا أحد بعده ليمرر إليه الخسارة. والدولة تتفرج من عليائها، مردّدة قولها الصادق الوحيد: «بكرا بيتعودوا». فالمجتمع تكيّف مع خسارة الودائع، وتكيّف مع الأكلاف التي نتجت من الانهيار النقدي، ويواصل تكيّفه مع الارتفاعات الفاحشة للأسعار.