لبنان يهاجر: 729 ألفا غادروا منذ 2020 صدمة ديموغرافية وقيمة لا تعوّض
ليست الهجرة مسألة طارئة في الواقع اللبناني. إلا أنها باتت في الأعوام الأخيرة ترتبط بأكثر من خطورة وانعكاس مستقبلي غير مشجع.
بالأرقام، يتبّين أن المسار تصاعدي بامتياز. وحده الرقم يحمل في طياته الخطورة الأكبر: إنه 729.062 ألف لبناني هاجروا منذ العام 2020 ولم يعودوا. وتلك هي النقطة الأكثر دلالة.
هذه الأرقام كشفتها دراسة أخيرة أعدّها الوزير السابق والباحث الاقتصادي شربل نحاس بعنوان: “730 ألف لبناني هاجروا منذ انهيار الـ 2019، فمن يعيد إعمار لبنان؟”.
نُشرت الدراسة في تموز الماضي، وأهميتها في أنها تتضمن أرقاما محدّثة حتى نيسان 2026، مما يعني أنها الأكثر آنية زمنيا.
ماذا في الدراسة؟
اعتمد نحاس في استكشاف الأرقام على بيانات حركة الدخول والخروج من لبنان، الصادرة عن الأمن العام، ليخلص إلى الآتي:
• 729,062 لبنانيا هاجروا بين كانون الثاني 2020 ونيسان 2026.
• العدد الصافي لهؤلاء الذين غادروا لبنان ولم تسجل عودتهم هو 729,062 شخصا، وهنا الخطورة الأكبر.
• بالنسبة المئوية، يصل العدد إلى نحو 20% من اللبنانيين.
أربعة أضعاف
المفارقة أن رقم الـ730 ألفا لا يعبّر وحده عن خطورة الواقع، لأن مقارنته بالأرقام السابقة تظهر المسار التصاعدي للأعداد:
• بين 2014 و2019 بلغ صافي خروج اللبنانيين 185,581شخصا، فيما بين 2020 ونيسان 2026 وصل العدد الصافي إلى 729,062 ، أي أن الرقم تصاعد نحو أربعة أضعاف، وهذا مؤشر خطِر.
في الدراسة إشارة واضحة إلى أسباب تصاعد الأرقام بهذه الوتيرة. إذ يتبّين أنه في الأعوام الستة الأخيرة، وتحديدا بعد انهيار الـ2019، كانت المشاكل تتعدد وتتراكم، بدءا من الأزمة المالية – النقدية، مرورا بفجوة اجتماعية غير مسبوقة تمثلت في انهيار القدرة الشرائية وشبه اختفاء للطبقة الوسطى التي لطالما ميّزت المجتمع اللبناني، وصولا إلى فراغ رئاسي راكم المشاكل ومنع الخروج من الأزمات.
كل ذلك كان يدفع باللبناني، ولا سيما الشباب، إلى الهروب.
أما الذروة فكانت إثر انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، وقد سجّلت بعد ذلك هجرة لعائلات لبنانية بأكملها، وليس فقط للفئات الشبابية.
في المحصّلة، كان الرسم البياني منذ الـ2020 وحتى الـ2023 يرتفع، واعتُبرت المشاكل الاقتصادية – الاجتماعية أهم أسباب الهجرة.
• سجلّ عام 2020 خروجا لـ7,793 شخصاً، مع الأخذ في الاعتبار الموانع التي فرضتها جائحة كورونا، فحجبت السفر عالميا، وأخّرت موجات الهجرة، لكنها لم تلغِها.
• بحلول الـ2023، اختلفت الأسباب، وبقيت النتيجة واحدة: هجرة متزايدة. وأضيفت إلى الأسباب الاقتصادية عوامل أمنية – سياسية، حين اختار “حزب الله” توريط لبنان في حربين متتاليتين، فهرب مزيد من الشباب اللبناني نحو الخارج.
• تبيّن الدراسة أن الأعوام الثلاثة (2022، 2023، 2024) شكّلت نحو 75% من الخروج الإجمالي الصافي بعد انهيار 2019.
وتعدّد الدراسة أبرز أسباب الهجرة: “انهيار الأجور، وفقدان الودائع، ورفع الدعم، وأزمة المحروقات والكهرباء، وتراجع الخدمات العامة، كلها عوامل دفعت الأسر، لا الشباب فقط، إلى البحث عن مصادر دخل وخدمات خارج لبنان”.
أما بين 2024 و2026، فباتت حربا الإسناد المسبّب الأول، مما أدّى إلى رفع الأرقام بنحو أربعة أضعاف.
مَن هاجر؟
لا تتيح بيانات الأمن العام التي استندت إليها الدراسة معرفة أعمار المغادرين أو اختصاصاتهم. مثلا، لا أرقام محددة عن نوعية الفئات، سواء كانت من الأطباء أو المهندسين أو المعلّمين (لكون الفئات الثلاث تُعدّ عموما من الأكثر هجرة).
وترّجح الدراسة وفق التحليل الذي يقدّمه نحاس أن تكون الفئة الأكبر المهاجرة من الشباب وأصحاب المهارات، لأن هؤلاء يمتلكون قدرة أكبر على الحصول على فرص عمل واستيفاء شروط الهجرة، ولا سيما إلى الدول الأوروبية.
أخيرا، تخلص الدراسة إلى أن “لبنان تعرّض لصدمة ديموغرافية تمس مباشرة قدرته على التعافي: “إنه النزف البشري الذي يجعل من المجتمع اللبناني مجتمعا هرما”، نسبة الكبار والمتقاعدين فيه أكبر من نسبة الشباب. وتلك هي الخطورة الأكبر التي سنلمسها تباعا!