تقسيط المفعول الرجعي…أكثر من صدام
لم يعد الجدل حول تحسين رواتب القطاع العام محصورًا بقيمة الزيادات، بل انتقل إلى آلية تنفيذها وانعكاساتها على المالية العامة. وبينما ترى وزارة المالية أن تقسيط المفعول الرجعي يندرج ضمن إدارة التدفقات النقدية وتوزيع الأعباء على الخزينة، يعتبر المعترضون أن هذه الآلية تمسّ بجوهر الالتزامات التي أقرها القانون، وتؤدّي عمليًا إلى إعادة جدولة حقوق مالية أصبحت مستحقة.
تكتسب مقاربة طريقة دفع الرواتب تنفيذا للقانون الذي أقرّه مجلس النواب، أبعادًا اقتصادية تتجاوز مسألة الأجور، إذ تطرح تساؤلات حول حدود إدارة السيولة في ظل موازنة أقرت اعتمادات إضافية لتغطية الزيادات، وحول مدى تأثير تأخير الدفع على القيمة الفعلية للمستحقات في بيئة لا تزال تتسم بارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية. وفي هذا السياق، يرفض ممثل تجمع روابط القطاع العام إبراهيم نحال مشروع المرسوم، معتبرًا أنه يتجاوز الإطار التنفيذي إلى تعديل غير مباشر لمفاعيل القانون.
مخالفة
يؤكد نحال لـ “نداء الوطن”، أن “مشروع المرسوم الذي اقترحه وزير المالية لتقسيط المفعول الرجعي لتحسين رواتب وتعويضات العاملين والمتقاعدين في القطاع العام يُشكل، برأي التجمع، مخالفة للقانون والتفافًا على الحقوق التي أقرها مجلس النواب، ولا يمكن التعامل معه على أنه مجرد آلية لتنظيم الدفع”.
ويوضح نحال أن “القانون الذي فتح اعتمادًا إضافيًا في موازنة عام 2026 لتغطية كلفة المضاعفات الستة لم يمنح الحكومة أو وزير المالية أي صلاحية لتقسيط المستحقات أو ترحيلها إلى عام 2027″، معتبرًا أن “دور السلطة التنفيذية يقتصر على تنفيذ القانون كما صدر، لا تعديله أو الانتقاص من مفاعيله”.
ويشير إلى أن “الاعتمادات المالية اللازمة أصبحت متوافرة في موازنة عام 2026، ما يعني أن المستحقات اعتبارًا من الأول من آذار 2026 أصبحت دينًا في ذمة الدولة، ولا يجوز تحويلها إلى أقساط بقرار إداري”، لافتًا إلى أن “قاعدة سنوية الموازنة تفرض صرف الاعتمادات ضمن السنة المالية نفسها، ولا تجيز ترحيلها إلى السنة التالية إلا بقانون جديد”.
التضخم يُهدّد بتآكل القيمة الفعلية للمستحقات
ويعتبر نحال أن “التذرع بالأوضاع المالية لا يبرر التقسيط، لأن المشترع لم يمنح الحكومة هذه الصلاحية”، مضيفًا أن “تمديد دفع المفعول الرجعي حتى آب 2027 سيؤدي إلى تآكل قيمته الفعلية بفعل التضخم، وسيحمّل الموظفين والعسكريين والمتقاعدين كلفة الأزمة المالية”.
ويرى أن “المشروع قد ينعكس أيضًا على تنفيذ قرار مجلس الوزراء الصادر في 16 شباط 2026، والذي نصّ على استكمال تحسين الرواتب وصولًا إلى ثلاثين ضعفًا اعتبارًا من الأول من كانون الثاني 2027، إذ إن استمرار دفع متأخرات عام 2026 خلال عام 2027 من شأنه أن يؤخر الانتقال إلى المرحلة الجديدة من تحسين الرواتب”.
محاولة قطع طريق
وفي هذا الإطار، يشدد نحال على أن “هذه الآلية ليست مجرد عملية تقسيط للمفعول الرجعي، بل محاولة لقطع الطريق أمام أي مطالبة بتنفيذ المرسوم كما أُقرّ. فالمرسوم ينص على أنه اعتبارًا من 1 كانون الثاني 2027 سنكون قد حصلنا على زيادة تعادل 30 ضعفًا، أي ما يوازي نحو نصف القيمة الشرائية لرواتب عام 2019، فيما نطالب برفعها إلى 60 ضعفًا لاستعادة كامل قيمتها الشرائية”.
يضيف: “هذه الخطوة تهدف أيضًا إلى قطع الطريق أمام أي محاولة مستقبلية لإعادة تصحيح الرواتب. لذلك، نرفض هذه الآلية بالكامل، ونرفض تقسيط المفعول الرجعي للمضاعفات الستة، ونطالب بصرفه دفعة واحدة نقدًا، مع الالتزام بتنفيذ القانون كما هو، من دون تجزئة أو تأخير”.
ويختم نحال بالتأكيد، أن “العاملين في القطاع العام والمتقاعدين لا يطالبون بمنح أو مساعدات، بل بتنفيذ قانون نافذ أقره مجلس النواب”، داعيًا مجلس الوزراء إلى “رفض مشروع المرسوم بصيغته الحالية، وإلزام وزارة المالية بصرف كامل المفعول الرجعي ضمن اعتمادات موازنة عام 2026، احترامًا للقانون وصونًا لحقوق أصحابها”.
يبقى ملف المفعول الرجعي اختبارًا لقدرة الدولة على التوفيق بين متطلبات إدارة المالية العامة والالتزام بالقوانين النافذة. فآلية الدفع لا تنعكس على حقوق العاملين في القطاع العام فحسب، بل ترسل أيضًا إشارات إلى الأسواق وإلى الموظفين بشأن مدى التزام الدولة بتعهداتها المالية. وبين ضرورات ضبط الإنفاق وضمان الحقوق المكتسبة، سيحدد القرار النهائي مسار المرحلة المقبلة من سياسة الأجور، ومستوى الثقة بإدارة المال العام.