الأبعاد الاقتصادية لزيارة رئيس الجمهورية اللبنانية إلى الولايات المتحدة

شكّلت الزيارة التي قام بها رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون إلى الولايات المتحدة الأميركية، ولقاؤه بالرئيس دونالد ترامب، محطّة أساسية وديبلوماسية بارزة، إذ لا تقتصر أهمّيتها على بُعدها السياسي فحسب، بل تنسحب على أبعاد اقتصادية قد تكون لها إنعكاسات إيجابية على الاقتصاد اللبناني على المدى القصير، المتوسط والبعيد.

ففي ظلّ الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي لا تزال تمرّ على لبنان منذ نحو 7 سنوات، تبقى الثقة العنصر الأساسي لإعادة إطلاق عجلة النمو. فاستقبال الرئيس اللبناني في البيت الأبيض وفي المكتب البيضاوي تحديداً، يحمل رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي، مفادها أنّ لبنان عاد ليحظى بدعم أميركي، لا بل إنّه تصاعد من جديد إلى سلُّم الأولويات، بعد سنوات من العزلة والجمود والشلل.

من أبرز النتائج العملية التي أُعلن عنها خلال الزيارة، قرار إعادة تسيير الرحلات الجوية المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان، بعد انقطاع دام أكثر من أربعة عقود. ولا تقتصر أهمّية هذا القرار على الجانب اللوجستي فقط، بل يحمل أبعاداً اقتصادية متعدّدة، ورسائل مباشرة لإعادة بناء الثقة بالدولة اللبنانية، إذ يُسهّل حركة رجال الأعمال والمستثمرين، ويشجّع أبناء الجالية اللبنانية في قارة أميركا على زيارة لبنان وإعادة استثماراتهم في بلدهم الأم. كما يُساهم في تنشيط القطاع السياحي ورفع مستوى التبادل التجاري والخدماتي مع الولايات المتحدة أساساً، وأيضاً مع قارة أميركا وأميركا اللاتينية.

كذلك، فإن أيّ دعم أميركي للاستقرار الأمني والمؤسسات العسكرية، يُشكّل عاملاً اقتصادياً بامتياز، لأنّ الأمن والاستقرار يُمثلان الشرط الأول لأي استثمار محلي أو أجنبي، فلا يُمكن لأي اقتصاد أن يستعيد عافيته في ظل بيئة غير مستقرّة، بينما يؤدّي ترسيخ الاستقرار إلى تحسين مناخ الأعمال وتعزيز ثقة المستثمرين.

وعلى الصعيد الدولي، تمنح هذه الزيارة التاريخية لبنان، زخماً إضافياً في علاقاته مع المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدّمها البنك وصندوق النقد الدوليان. فعلى رغم من عدم الإعلان عن مساعدات مالية مباشرة أو برنامج تمويل جديد، فإنّ تعزيز العلاقات السياسية مع الولايات المتحدة قد ينعكس إيجاباً على مسار المفاوضات الاقتصادية، وعلى قدرة لبنان على استقطاب الدعم الدولي مستقبلاً.

غير أنّ هذه المؤشّرات الإيجابية على أهمّيتها، لا تكفي وحدها لإخراج الاقتصاد اللبناني من أزمته، فالمجتمع اللبناني لا يزال يربط أي دعم مالي أو استثماري بتنفيذ الإصلاحات البنيوية المطلوبة، وفي مقدّمها إصلاح القطاع المصرفي، وإعادة هيكلة المالية العامة، وتعزيز الشفافية، ومحاربة الفساد، والحدّ من الترويج والتهريب، وتحديث الإدارة العامة وإقرار القوانين الإصلاحية المنتظرة.

كما أنّ استمرار التوترات الإقليمية يبقى عاملاً مؤثّراً في قرارات المستثمرين، إذ إنّ الإستقرار السياسي والأمني يظلّ الركيزة الأساسية لأي انتعاش اقتصادي مستدام. أخبارجريدة الجمهورية

في المحصّلة، يمكن اعتبار زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن مكسباً سياسياً وديبلوماسياً، يُعزّز صورة لبنان على الساحة الدولية، لكنّ الأهم، هي رسالة واضحة لدعم إعادة بناء الدولة، وفتح نافذة جديدة لاستعادة الثقة. إلّا أنّ تحويل هذا الزخم إلى نتائج اقتصادية ملموسة يتطلّب إرادة إصلاحية حقيقية، وسرعة وجدّية في تنفيذ الإصلاحات، مع ملاحقة دقيقة واستثمار ذكي لهذا الانفتاح الدولي، بما يخدم المصلحة الوطنية، ويضع الاقتصاد اللبناني على مسار التعافي المستدام.

Leave A Reply

Your email address will not be published.