كل يوم تأخير يعني مزيداً من النهب وإفقار لبنان
شكّل تصريح الوكيل القانوني الرئيسي لمصرف لبنان، بديع مكرزل، الذي أكّد فيه أنّ «المصارف يجب أن تدفع، والأموال يجب أن تُعاد، نحن نتحدّث عن مليارات الدولارات»، خطوة إيجابية طال انتظارها، ولا سيما أنّه يصدر عن ممثل قانوني للمصرف المركزي، المؤسسة التي كانت في قلب الأزمة المالية. إلّا أنّ اللبنانيّين لم يعودوا ينتظرون التصريحات، بل الإجراءات. فالثقة بالنظام المالي اللبناني فُقدت بالكامل، ليس فقط بالمصارف، بل أيضاً بمصرف لبنان، وبالحكومة، وبكل الجهات التي أدارت هذا الملف خلال السنوات الماضية.
واليوم، تقع على عاتق الحكومة، ومصرف لبنان، والقضاء، ومجلس النواب، مسؤولية التحرُّك سريعاً لإعادة هذه الثقة، لأنّ استمرار الغموض يعني استمرار الانهيار، واستمرار إفقار اللبنانيّين، واستمرار ضياع الحقوق. ولتحقيق ذلك، لا بدّ من إطلاق خطة واضحة تقوم على الخطوات التالية:
أولاً: إقرار الشفافية المطلقة
يجب أن تكون الشفافية المطلقة نقطة الانطلاق لأي خطة إنقاذ. فلا يجوز البحث في بيع أصول الدولة أو إعادة هيكلة القطاع المصرفي، فيما لا تزال المعلومات الأساسية محجوبة. لذلك، على الحكومة ومصرف لبنان اقرار وتطبيق، وفتح حسابات المصارف.
ثانياً: كشف حسابات المصارف والإجابة عن الأسئلة الأساسية
لا عذر بعد اليوم لعدم فتح حسابات المصارف. فالثقة لن تعود بالمواقف الإعلامية، بل بكشف الحقيقة كاملة. يمتلك مصرف لبنان جميع البيانات اللازمة، ومن واجبه نشرها فوراً، والإجابة عن الأسئلة التي نطرحها منذ بداية الأزمة، إنّ نشر هذه المعلومات هو المدخل الأساسي لإعادة الثقة. العربوشعوب الشرق الأوسط
ثالثاً: التدقيق في تصريحات رياض سلامة
سبق للحاكم السابق رياض سلامة أن أكّد، في أكثر من مناسبة، أنّ مصرف لبنان أعاد للمصارف مليارات الدولارات، وأنّ الودائع قابلة للإعادة. ففي مقابلة مع صحيفة «الشرق الأوسط» بتاريخ 4 شباط 2022، أكّد أنّ مصرف لبنان أعاد للمصارف الأموال التي كانت مودعة لديه، ثم صرّح في «هنا بيروت» بتاريخ 21 حزيران 2022 بأنّه أعطى المصارف نحو 24 مليار دولار بين عامَي 2017 وآذار 2022، قبل أن يؤكّد مجدّداً، بعد خروجه من السجن، في مقابلة مع العربية Business عام 2025، أنّ مصرف لبنان أعاد للمصارف أكثر من 35 مليار دولار بين عامَي 2017 و2023، وأنّ الودائع يمكن أن تعود إلى أصحابها.
يجب التدقيق بهذه التصريحات، وعلى مصرف لبنان نشر كل البيانات والوثائق المتعلقة بها فوراً، لأنّها موجودة لديه، ليعرف اللبنانيّون أين ذهبت هذه الأموال، وكيف استُخدمت، ولماذا لم تُعاد إلى المودعين فوراً واحتفظت بها المصارف. فإنّ عدم نشر هذه الأرقام يزيد عدم الثقة.
رابعاً: التدقيق في ممارسات المصارف
يجب أيضاً فتح تحقيق شامل في أداء المصارف خلال السنوات الماضية. فمنذ عام 2019، شهد لبنان إجراءات غير مسبوقة في تاريخ العمل المصرفي، من القيود على السحوبات والتحويلات، إلى تعدُّد أسعار الصرف، والاقتطاعات المقنّعة، وممارسات أثرت بشكل مباشر على حقوق المودعين. وصولاً إلى إجراءات تجاوزت كل الحدود.
كما جرى التداول بأنّ بعض المصارف حققت أرباحاً خلال سنوات الأزمة عبر عمليات غير مسموح بها للمصارف. وهذه المعلومات، سواء ثبتت صحتها أو عدمها، يجب أن تخضع لتدقيق مستقل يكشف الحقيقة كاملة للرأي العام. لأنّ هذه حقوق أيضاً للمودعين، فالاقتطاعات غير القانونية واستعمال الودائع لمصلحة المصارف كل هذه السنين، يجب أن تؤخذ في الاعتبار للتعويض على المودعين.
خامساً: بيع أراضي الدولة
على الدولة أن تتحمّل مسؤوليّتها في الكارثة التي سببتها، ومن ضمن الخيارات المطروحة الاستفادة من بعض أصولها، ومنها بيع أو استثمار الأراضي العامة، كأراضي سكك الحديد والأملاك البحرية، ضمن خطة واضحة وشفافة تهدف إلى معالجة الأزمة. كما يجب إجراء دراسة جدوى اقتصادية ولوجستية شاملة حول مستقبل مرفأ بيروت، لأنّ أي مرفأ حديث يحتاج إلى شبكة طرق واسعة وقدرة على استيعاب حركة الشاحنات الكبيرة، لأنّ المرفأ هو شريان الحياة للبلد، وهو أمر أصبح صعباً داخل العاصمة بسبب محدودية المساحات والإزدحام وتأثير حركة النقل الثقيل على المدينة وسكانها.
لذلك، يجب دراسة إمكانية نقل المرفأ إلى موقع آخر، إذا أثبتت الدراسات أنّ ذلك يحقق مصلحة وطنية أكبر، من خلال تحسين الحركة التجارية، وتطوير البنية التحتية، وتأمين قدرة توسعية أفضل، وتعزيز دور لبنان كمركز لوجستي في المنطقة.
سادساً: إعادة أموال المودعين غير اللبنانيّين
لا يمكن للبنان أن يستعيد مكانته المالية إذا بقيت أموال المودعين غير اللبنانيّين محتجزة. فهؤلاء وثقوا بالنظام المالي اللبناني، وإعادة حقوقهم تشكّل رسالة أساسية إلى المجتمع الدولي، بأنّ لبنان يحترم الملكية الخاصة ويُعيد الاعتبار لدولة القانون، وهو ما يساهم في استعادة الثقة وجذب الرساميل والاستثمارات مستقبلاً. أمّا إذا هذا لم يحصل فسيكون انتحاراً اقتصادياً للبنان. تاريخ
سابعاً: إعادة حقوق التعويضات والصناديق الاجتماعية
لا تقتصر خسائر الأزمة المالية على الودائع المصرفية، بل طالت أيضاً حقوق اللبنانيّين في تعويضات نهاية الخدمة وأموال الصناديق الاجتماعية التي تقلّصت. لذلك، يجب أن تشمل أي خطة لإعادة الثقة معالجة أوضاع التعويضات. وأكرّر، فاستعادة الثقة لا تكون فقط بإعادة الودائع، بل بحماية كل الحقوق المالية التي نُهبت من اللبنانيّين.
إنّ عدم المباشرة بهذه الخطوات، والاستمرار في سياسة التأجيل والغموض، سيؤدّيان إلى استمرار النهب وتعميق الفقر. فكل يوم يمرّ من دون شفافية وكشف للحسابات ومحاسبة للمسؤولين، هو يوم يزداد فيه الانهيار الاقتصادي. فالوقت لم يعد يسمح بالمماطلة.