نواب يوظفون وينسفون إصلاحات… وأنتم ستدفعون قريباً 

يومان دسمان نيابياً يختصران جولات أسابيع وأشهر تحت الكواليس، لتمرير “فظائع اقتصادية وقانونية” بحق اللبنانيِّين. إذ لم يكتفِ بعض النواب في اجتماع لجنة المال والموازنة بنسف مبادئ إصلاحية جوهرية لإنصاف المودعين، إنّما عبَّدت غالبية مجلس النواب، بشعبويتها، الطريق أمام سلال ضريبية، ستنزل على رؤوس اللبنانيّين كالصاعقة قريباً جداً، بعد تغطية الأمر بتصريحات إعلامية تمسّ العواطف، ومن أجل الإنصاف والعدالة الاجتماعية وحقوق الموظفين.

توظيفات كارثية في الجمارك

منذ فترة، أعلنت إدارة الجمارك عن مباراة لتطويع 300 عنصر في سلكها لسدّ النواقص في بعض المراكز. إعلانٌ يبدو طبيعياً في مؤسسة لطالما طالتها شبهات قبل الأزمة الاقتصادية والمالية، قبل أن تخسر عدداً من عناصرها الذين فضّلوا التسرُّح من الوظيفة والانتقال إلى وظائف أخرى في القطاع الخاص.

حتى هذه المرحلة كل شيء يسير وفق المنطق والقانون. لكن لمجلس النواب رأياً آخر. أعادت غالبية مجلس النواب، بقرار مخالف لاقتراح وطلب إدارة الجمارك، 304 عناصر لا يستوفون شروط إدارة الجمارك ولا يلبّون حاجاتها لملء الشواغر. فمعظمهم تخطّى الـ52 من العمر وغير قادر بدنياً على تأدية المهام التي تتطلّبها الوظيفة، وسط تأكيد إدارة الجمارك على أنّ هؤلاء سيشكلّون عبئاً مالياً يرهق الخزينة العامة، مقابل عدم قدرتهم على إنتاج ما يُفيد الشعب اللبناني الذي سيموِّل رواتبهم ومستحقاتهم من الضرائب. مراجعجغرافية

متعاقدو الإعلام

موظفون متعاقدون أمضوا عشرات السنوات كمتعاقدين في العمل الإعلامي لدى وزارة الإعلام، التي تُجمِع معظم دراسات إعادة هيكلة القطاع العام على إلغائها. الأمر يبدو وكأنّه إنصاف لجهود الموظفين طوال سنوات طويلة، وبقائهم ضمن الإدارة العامة، أي تأمين مستحقات لهم متناسبة مع “جهود سنوات طويلة في هذه المواقع الوظيفية العامة”. ربما! لكن هل هناك أي دراسة جدوى اقتصادية؟ بالتأكيد لا (أكّد ذلك عدد من النواب).

وهذا فصل آخر من زيادة الأعباء المالية نتيجة زيادة التوظيفات على الخزينة العامة المرهقة بالمدفوعات، من دون تأمين أي مصدر دخل سوى جيوبكم أيها اللبنانيّون! وكلّما طرأت توظيفات جديدة، من دون أي خصخصة، سيكون ذلك من جيوبكم أيها اللبنانيّون!

فإلى حدّ اللحظة، يبقى لبنان من آخر الدول التي لا تزال تدفع رواتب موظفي قطاعات يجب أن يخصخصها لشركات خاصة، مقابل أسوأ وأغلى خدمة في العالم، وهي الاتصالات (ألفا، تاتش، أوجيرو)، كهرباء لبنان، المياه… وليس هناك أي تعداد أو رقم نهائي لعدد الذين يتقاضون أموالاً من الدولة.

لا أموال للمودعين، ولا IMF!

يؤكّد مصدر وزاري مطلع لـ”الجمهورية”، أنّ الصيغة التي أقرّتها لجنة المال والموازنة النيابية لتعديلات قانون إصلاح أوضاع المصارف وإعادة تنظيمها، تشكّل محطة دقيقة في مسار التفاوض مع صندوق النقد الدولي (IMF)، لأنّ جوهر المسألة لا يرتبط فقط بتوزيع الصلاحيات بين مصرف لبنان والهيئات الرقابية، بل بقدرة الدولة اللبنانية على إرساء إطار قانوني يسمح بإعادة هيكلة القطاع المصرفي وفق معايير دولية واضحة وشفافة. ويشير المصدر، إلى أنّ أي تعديلات قد تؤدّي عملياً إلى تقليص استقلالية هيئة إعادة الهيكلة (هيئة ذات صفة محاسبية وقضائية) أو إعادة حصر القرار المصرفي بجهات كانت شريكة في إدارة الأزمة (مصرف لبنان، وهو جهة تنفيذية)، قد تواجه اعتراضاً جدّياً من صندوق النقد تماشياً مع مبدأ فصل المحاسبة عن التنفيذ، بما يهدّد بإعادة تعطيل المسار الإصلاحي برمّته. الجمهورية

ويشرح المصدر، أنّ صندوق النقد لا ينظر إلى قانون إصلاح المصارف كتشريع تقني منفصل، بل كجزء أساسي من حزمة متكاملة، تشمل الاعتراف بالخسائر، إعادة رسملة المصارف القابلة للاستمرار، تصفية المصارف غير القابلة للحياة، وحماية أموال المودعين ضمن تسلسل واضح لتحمّل الخسائر. فالصندوق شدّد في مراجعته الأخيرة على ضرورة أن تكون عملية إعادة الهيكلة مستقلة وشفافة وفعّالة ومتوافقة مع المبادئ الدولية، وأن تُحترم هرمية توزيع الخسائر، فيتحمّل المساهمون والدائنون الأدنى مرتبة الخسائر قبل تحميل أي جزء منها للمودعين.

وبحسب المصدر الوزاري، فإنّ أبرز النقاط التي قد تثير تحفّظ صندوق النقد تتعلّق بالمادة الثالثة من القانون، في حال أدّت الصياغات الجديدة إلى تفسير يحدّ من صلاحيات الهيئة المصرفية العليا أو يجعل دورها مقتصراً على معالجة المصارف المتعثّرة فقط، من دون منحها القدرة الكاملة على إدارة مسار إعادة الهيكلة وفق معايير موحّدة. فالصندوق يريد وجود جهة واضحة قادرة على اتخاذ القرارات المتعلقة بتقييم أوضاع المصارف، تحديد المصارف القابلة للاستمرار، فرض خطط إعادة الهيكلة، أو الانتقال إلى التصفية عند الحاجة، بعيداً من أي تضارب في المصالح أو ازدواجية في الصلاحيات.

ويضيف المصدر، أنّ الإشكالية الثانية ترتبط بالمادة 13، لأنّ استبدال صلاحية الهيئة المصرفية في “طلب” إصدار التعاميم التنظيمية اللازمة لإعادة الهيكلة بصلاحية “التوصية” فقط، قد يُفهَم دولياً على أنّ القرار النهائي يبقى خاضعاً لموافقة جهات أخرى، ما يُضعف قدرة الهيئة على تنفيذ خطة إصلاحية سريعة وحاسمة. ويعتبر صندوق النقد، أنّ أي قانون لا يضمن آلية تنفيذ مستقلة وفعّالة قد يتحوَّل إلى إطار شكلي، غير قادر على معالجة أصل المشكلة، أي الفجوة المالية الكبيرة وانهيار الثقة بالقطاع المصرفي.

ويشير المصدر، إلى أنّ المطلوب ليس المساس بدور مصرف لبنان في الحفاظ على الاستقرار النقدي (بحسب قانون النقد والتسليف)، بل الفصل بين وظيفة المصرف المركزي النقدية وبين إدارة ملف إعادة هيكلة مصارف فقدت قدرتها على الاستمرار، إذ يُعتبَر في الشق الأخير منه أنّ هناك مبادئ محاسبية لا يجدر بسلطة تنفيذية أن تقرِّرها، بل يقتصر دورها على تنفيذها. فالمعايير الدولية، بحسب المصدر، تقوم على منع تضارب الأدوار بين الجهة التي تشرف على السياسة النقدية والجهة التي تتولّى معالجة المصارف المتعثرة، لأنّ التجارب العالمية أثبتت أنّ خلط هذه المهام يؤدّي إلى تأخير الاعتراف بالخسائر وإطالة عمر المؤسسات غير القابلة للحياة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.