هل يفتح الإعمار باب عودة الشركات الأجنبية للشراء العام في لبنان؟
أتى مسار إعادة تشغيل مطار القليعات، كإنجاز للعهد الجديد وحكومة الرئيس نواف سلام في أوج الحرب، لا ليكسر عقودًا من تعطيل إنماء طرابلس والشمال وحسب، بل ليعلن عودة المشاريع الإنمائية والإستثمارات في بلد، يخرج من سنوات الإنهيار والحرب، ليبرز سؤال أساسي: هل ما زالت الدولة اللبنانية قادرة على استقطاب الشركات الأجنبية للإستثمار في مشاريع الإنماء ومرحلة الإعمار؟ فعلى الرغم من إقرار قانون الشراء العام، عام 2021، كأحد أبرز الإصلاحات المطلوبة لتعزيز الشفافية والمنافسة، بقيت مشاركة الشركات الأجنبية في المناقصات والمزايدات العمومية محدودة، طالما أن الثقة بالدولة اللبنانية على صعيد الإصلاحات كانت محدودة كذلك!
فـ”صيت لبنان” يسبقه في التلزيمات العمومية على “قياس المتعهدين” تاريخيًا على صعيد “الفساد”، لكن عدم جذب الإستثمارات الخارجية، تعمق في سنوات الإنهيار، مع تراجع تصنيفات لبنان الدولية بعد الإنهيار المالي، وصولا لوضعه على اللائحة الرمادية لمنظمة العمل المالي FATF، مع توسع دويلة حزب الله المالية، أما قراره خطف قرار الحرب والسلم منذ حرب إسناد غزة عام 2023، فأتى ليطيح بكل تقدم أرساه إقرار قانون الشراء العام والتعافي الإقتصادي المتباطئ.
ويمثل الشراء العام في لبنان نحو 20 % من الإنفاق الحكومي المركزي و6.5 % من الناتج المحلي الإجمالي وفق دراسة لمعهد باسل فليحان عام 2020، ما يوضح حجم الانتكاسة التي مني بها هذا القطاع إثر الانهيار المالي، وانعكاسها على مستوى تقليص المشاريع، وما يعني أيضا بأن إصلاح هذا القطاع، بات مدخلا أساسيا للحوكمة وتقليص هدر المال العام. فهل دخل لبنان مرحلة الإستثمارات الأجنبية والثقة اليوم؟ وهل يكفي إصلاح قانون الشراء العام وحده في بناء الثقة؟ أم أن الأزمة باتت تتعلق بثقة المستثمرين بالدولة اللبنانية نفسها كجهة متعاقدة؟ وما الذي تحتاجه الدولة اللبنانية لإستعادة اهتمام الشركات الأجنبية بالمشاركة في مشاريع الإعمار والاستثمار في المرحلة القادمة؟
مناقصات “على قياس المتعهد” و”الوزير”
يعزو الخبير الإقتصادي ومدير المعهد اللبناني لدراسات السوق، باتريك مارديني، عدم تقدم الشركات الأجنبية إلى المناقصات في لبنان، إلى أنها تاريخيا لم تكن “مفتوحة” للتنافس الجدي، رغم ادعاء لبنان ذلك. إذ لطالما كانت الصفقات العمومية “مفصّلة” على قياس متعهدين بعينهم، فكان تدخل الوزراء حاسما في نتيجة المناقصة سلفا.
ويعطي مثالا عن مناقصة استدراج بواخر الكهرباء، الشهيرة، التي استقدمت البواخر التركية عام 2013 إلى شواطئ لبنان لتوليد الطاقة. ويذكر “كيف وضعت الدولة اللبنانية، شرطا في حينه، يقضي بأنه على الشركة المتعهدة، التي ترسو عليها المناقصة، الدفع بالليرة التركية في مصرف في تركيا، وكأنها تقول بأن المناقصة لن ترسو إلا على الشركة التركية التي رست عليها بالفعل في النهاية (كارادينيز التركية”، فكان واضحا مما لا يدعو للشك أنه تم إعداد دفتر شروط “على قياسها”.
ويلفت مارديني، إلى أن الشركات الأجنبية التي لا تنطبق عليها هذه الشروط، وحتى التي قد تنطبق عليها، تخشى الدخول في منافسة معروفة النتائج سلفا، ووضع جهد ووقت عليها، فتحجم عن الدخول في المناقصة منذ البداية.
من المناقصة… إلى المزايدة
بعد العام 2019، انخفضت الصفقات العمومية بشكل عام، لكن كان واضحا “تكيف” الدولة مع الأزمة على مستوى التلزيمات: بإنتقالها من التلزيم عبر “المناقصة” إلى التلزيم عبر “المزايدة”.
فعلى إثر الإنهيار الإقتصادي، انخفض عدد المناقصات، مع انهيار مداخيل الدولة. فالمناقصة جوهرها يكمن بدفع الدولة المال للمتعهد، على قاعدة اختيار المتعهد الذي “يوفر للدولة السعر الأرخص للقيام بالمشاريع من بين المتعهدين”، يشرح مارديني، لتنتقل الدولة في مقاربتها للصفقات العمومية والشراء العام، من المناقصة إلى المزايدة.
فمثلا، عوض إدارة البريد بأدنى سعر تدفعه الدولة للمتعهد في المناقصة، تختار الدولة في المزايدة من يدفع لها أكثر لإدارة البريد، فيحصل هو على المداخيل لقاء الخدمة من المواطن، ويدفع للدولة اللبنانية مقابل استثمار البريد، فيوفر بهذه الطريقة على الدولة الدفع.
لكن حتى بعد تغيّر نوع الصفقة العمومية، لم يتحسّن عامل المنافسة، “إذ بقيت لدينا مشكلة العارض الوحيد في حالات كثيرة”.
لكن الإنتقال من دائرة المناقصات إلى هيئة الشراء العام بعد إقرار قانون الشراء العام، رغم ذلك، شكل برأيه خطوة إصلاحية بارزة عام 2021، فالهيئة أصبح لديها وصول على جميع الصفقات العمومية دونما استثناء، على عكس دائرة المناقصات، التي كان وصولها مقتصرا على الصفقات العامة التي تجريها الوزارات، في حين كانت الوزارات بدورها تتهرب من تدقيق إدارة المناقصات، لتجري عقودا عامة عبر صناديق ومجالس وهيئات، باتت عقودها العامة جميعها منذ إقرار قانون الشراء العام، تخضع لتدقيق هيئة الشراء.
من المنافسة على السوق.. إلى المنافسة داخله
وعن مستقبل التلزيمات يرى مارديني أن دولة كلبنان، متخلفة عن دفع ديونها ولا مداخيل مرتفعة لديها، تسير في المستقبل بإتجاه المزيد من المزايدات في الصفقات العمومية. ففي مطار القليعات مثلا: تشغل شركة المطار، وتدفع للدولة بدل الإستثمار، ومن هنا وجب الإنتباه للرسوم التي ستفرض على المواطنين في المزايدات في مرحلة الإعمار، لتبقي على الخدمات العامة متوفرة للجميع.
لكن حجر الزاوية برأيه، هو الإنتقال من المنافسة “على السوق” إلى المنافسة “داخل السوق” في كل القطاعات: من البريد إلى الكهرباء الاتصالات فالميكانيك…
فالمنافسة على السوق competition for the market تعني أن الشركات تقدّم على الصفقة العمومية، يتم إختيار الشركة التي تقدم السعر الأفضل للدولة. فتربح الشركة إدارة السوق (بريد، اتصالات/ميكانيك..).
أما المنافسة داخل السوق competition in the market، فتعني عدم إدارة السوق (بريد/ اتصالات/ميكانيك..) من قبل شركة واحدة، بل أن نرخص إدارة القطاع لعدة شركات تتنافس فيما بينها، وهذا رائج في دول أوروبية عديدة، كأن نرى كاراج سيارات مرخص من الدولة لديه إذن القيام بالمعاينة الميكانيكية. وكذلك في دبي مثلا، يمكن إجراء الميكانيك في كاراج مخصص في مول تجاري ولا داعي للانتظار طويلا كما في لبنان، وهو ما يقوي المنافسة بين الشركات ضمن السوق نفسه، عوض فائز واحد يحظى بالسوق كاملا.
فمن مساوئ المنافسة على السوق لا ضمنه، يلفت مارديني إلى أنها تجعل الشركة تتحكم في السوق وتحتكره وتكون لديها سلطة كبيرة في تشغيله، فيصبح احتمال الفساد أقوى منذ البداية: دفتر شروط على قياسها، وزير يريد إنجاح متعهد بعينه، ومحاولات للتأثير على النتيجة.
ويسأل، في الإتصالات مثلا نرى منذ عقود شركتين فقط ملزمتين القطاع تاتش وألفا، وما المانع من إستقطاب شركات أخرى ضمنها شركات أجنبية فيكون السوق مفتوحا عوض إقفاله وتكون شروط الإستثمار سهلة؟ أما تلزيم “العارض الوحيد” الذي ما زال رائجا الى اليوم، فهو برأيه استمرار لذهنية المنافسة على السوق.
عاملا الإستقرار والثقة
ووفق منصة هيئة الشراء العام، في شباط الماضي، حصل 241 تلزيم، بينما في أيار الماضي حصل 151 أي قرابة النصف. وهنا يظهر تأثير الحرب على التلزيمات بشكل مباشر.
“رأس المال جبان”، تقول المتخصصة في الشراء العام في معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي، رنا رزق الله، موضحة، أن “عنصري الإستقرار والثقة أساسيان لانجذاب الشركات الأجنبية، للسوق اللبنانية”. أما ما يضيفه استثمار تلك الشركات بدوره، “فيتجلى على الصعيد الإقتصادي بإدخال العملة الصعبة للبلاد، والمشاريع الإنمائية، وتشغيل يد عاملة، ما يخلق فرص عمل كثيرة.
أما عامل الثقة، فهو يتأتى أساسا من الثقة بالقضاء في البلد المستثمر فيه. أما عامل الإستقرار، فهو على مستويين اثنين: الإستقرار الأمني، المهتز لبنانيا، أقله منذ حرب العام 2023. وكذلك الإستقرار السياسي، لناحية الإضطرابات السياسية في البلاد، وكلما كانت المخاطر على الإستقرار عالية، كلما كلّف هذا المستثمرين أكثر، وعندما تصبح المخاطر عالية جدا، وتعجز الشركة عن تغطيتها، تتوقف عن العمل في هذا السوق، وهذا ما رأيناه مع شركات الحبتور القابضة، وهي مثال عن جذب لبنان تاريخيا لاستثمارات أجنبية، وانسحاب هذه الشركات من السوق مع اللاستقرار الأمني.
تصنيفات لبنان… واللائحة الرمادية
وتوضح رزق الله أنه على مستوى الإستقرار المالي، فالشركات الأجنبية الساعية للإستثمار، تنظر إلى التصنيفات المالية للبلد، وإلى حالة القطاع المصرفي فيه، لأنها بطبيعة الحال عليها أن تتعامل مع المصارف المحلية.
فتصنيف لبنان بدأ بالإنخفاض منذ العام 2018 من قبل شركات التصنيف الدولية مثل موديز وغيرها، وأكمل بانحداره بعد الانهيار المالي والاقتصادي في الأعوام 2019 و 2020 سيما بعد تعثر لبنان عن سداد دينه السيادي، اليوروبوند، ومنذ عامين ولبنان موضوع على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي FATF، في حين لم ينج الإستقرار الإقتصادي، فالناتج المحلي قبل العام 2019 كان حجمه قرابة 55 مليار دولار، وقد تقلّص بعد الأزمة مباشرة الى أقلّ من النصف بحسب عدة تصنيفات دولية.
إلا أن إنهيار قيمة العملة اللبنانية، وانهيار القطاع المصرفي منذ 2019، ومحاولات إيجاد حلول للمودعين وعدم إقرار قانون الفجوة المالية واعادة هيكلة المصارف إلى اليوم… تضاف إلى غياب عامل الثقة بالقضاء، الذي تعوّل عليه الشركات الأجنبية لفض النزاعات في حال حدوث مشكلة مع الدولة اللبنانية، تبقى حاجزاً أمام استثمار الشركات الأجنبية في لبنان ومشاركتها في فرص الشراء العام.
هيئة الاعتراضات: الإصلاح الذي لم يُستكمل بعد
وإذ تشيد رزق الله بقانون الشراء العام “الحديث والإصلاحي، الذي طوّر منظومة الصفقات العمومية لناحية القوانين التي تحكم الشراء العام. سواء كانت عقودا إنشائية أو شراء سلع او خدمات”، لكنها تشدد على أن العبرة تبقى بالتنفيذ.
فإقرار القانون عام 2021 أعطى إشارة إيجابية خصوصا للشركات الأجنبية، ونظّم الكثير من الإجراءات، ورفع مستوى الشفافية، فباتت منصة الشراء العام، تنشر عليها جميع التلزيمات، وبعض حالات الشراء استطاعت تشكيل رأي عام ضاغط حول مناقصات دارت حولها علامات استفهام حول وجود مخالفات.
ولعل أهم الضوابط التي وضعها القانون للتخفيف من مخاطر الفساد وهدر المال العام، برأي رزق الله هي الشفافية والعلنية، إلا أن من أهم الضوابط التي تنظر إليها الشركات الأجنبية أيضاً، هي وجود “هيئة اعتراضات” تتشكى عندها الشركات منذ لحظة إطلاق المناقصة إلى توقيع العقد، في حال اعترت العملية مشاكل بدفتر الشروط مثلا… على أن تصدر هيئة الإعتراضات قرارات سريعة وفق القانون، ورغم أن قانون الشراء العام أقرها لكنها لم تنشأ بعد.
وبعد تحوّلها من دائرة المناقصات إلى هيئة الشراء العام التي أعطاها القانون صلاحيات كبيرة جدا، كهيئة ناظمة تخضع لها جميع الجهات الشارية، ولديها منصة إلكترونية تنشر عليها كل الوزارات والمؤسسات، وصلاحيات واسعة للتدخل، لكن تبقى العبرة بتنفيذ القانون وتمكين هيئة الشراء العام وإنشاء هيئة الإعتراضات، تؤكد رزق الله.
ماذا يحتاج لبنان لاستعادة المستثمرين؟
وتنطلق رزق الله من افتتاح مطار القليعات، كمثال عن مشاريع تنفذ عادة عن طريق الشراكة مع القطاع الخاص، من المتوقع أن نراها بكثرة في المرحلة المقبلة، لافتة إلى أن قانون تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص، الذي أضيفت إليه تعديلات إصلاحية في بداية هذا العام ، يأتي ليتكامل مع الشراء العام بحسب المعايير الدولية. المقصود اذا بأنّ الاطار القانوني الجاذب للاستثمارات الاجنبية موجود، انما ما ينقصنا في لبنان يبقى عامل الاستقرار والثقة.
وعن الثقة كخطوة أساسية في المرحلة المقبلة، ترى رزق الله أنه على لبنان إعطاؤها للمستثمر الأجنبي: أولا عبر التطبيق الفعلي لقانون الشراء العام وإنشاء هيئة الاعتراضات التي تعطي الثقة على مستوى “المنافسة العادلة” للتلزيمات سواء مناقصات أو مزايدات، ثانيا، عبر القيام بالإصلاحات المالية والقضائية المطلوبة، وثالثا، توفر شرطي الإستقرار الأمني والسياسي.
الثقة… بالدولة اللبنانية
بات جليا بأن إستقطاب المستثمرين إلى مرحلة الإعمار في لبنان لن يتحقق عبر القوانين وحدها. فإلى جانب استكمال تطبيق قانون الشراء العام وإنشاء هيئة الإعتراضات، تبقى استعادة الثقة بالدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرط الأساسي لإقناع الشركات الأجنبية بأن الإستثمار في لبنان لم يعد مغامرة عالية المخاطر، ويبقى عامل الثقة بالقضاء اللبناني شرطا أبعد من جذب إستمارات الشركات الأجنبية، فهو شرط لقيام دولة المؤسسات. أما الإستقرار السياسي، فيعني “باللبناني الدارج”، حكم الدولة اللبنانية وحدها، وفك الإرتباط مع تحالف الفساد ودويلة حزب الله، الذين طردا الثقة الدولية إن على صعيد الدول أو الشركات الأجنبية، بلبنان الدولة.