الحرب تغير خارطة الترفيه.. ضبية وانطلياس واحة السهر والمطاعم
في وقت تتجه فيه الأنظار إلى أجواء المونديال وما يرافقها عادة من نشاط استثنائي في المطاعم والمقاهي والمرافق السياحية، أملاً في تعويض جزء من الخسائر وتنشيط الأسواق، كانت التطورات الأمنية تفرض واقعاً مختلفاً. فالمطاعم والمرافق السياحية والمجمعات التجارية نزحت بأعداد متزايدة نحو منطقة ساحل المتن بحثاً عن الاستمرارية والأمان، فيما بدّل الزبائن بدورهم وجهاتهم، مفضّلين المناطق التي تبدو أكثر استقراراً على تلك التي لا تزال تحت وطأة المخاوف الأمنية. هكذا، لم يقتصر التغيير على الجغرافيا الاقتصادية للعاصمة، بل طال أيضاً سلوك المستهلكين وخياراتهم في واحدة من أكثر الفترات التي كان يُفترض أن تشهد حركة وحيوية بفعل الحماسة الكروية العالمية.
ضبية، النقاش، انطلياس وصولًا إلى جل الديب والزلقا… طريق داخلية شكّلت على مدى عقود شريانًا تجاريًا هادئًا، لكنها تحوّلت في الآونة الأخيرة عاصمة مستجدة للحركة السياحية والترفيهية، وباتت نقطة الضوء التي تجتذب أبرز الاستثمارات السياحية.
للعابرين الشارع مساء تبهرهم عجقة المطاعم وعجقة الناس فيها، حتى يكاد المرء يظن نفسه في بلد آخر “فاضي البال”، وليس على بعد كيلومترات قليلة من مناطق باتت تخيف أهلها ومن يقصدها… فهل هي فورة نمو فرضتها الحرب؟ أم استثمارات ذكية طويلة الأمد تشجعها معطيات المنطقة الجغرافية والأمنية وحسن إدارة بلدياتها؟
قطاع المطاعم في موت سريري
منذ عقود والأزمات تتراكم على القطاعات الاقتصادية والسياحية في لبنان، ولا يكاد البلد يلتقط أنفاسه ويحظى بجرعة أوكسجين، حتى تعود الحروب والأزمات لتشدّه إلى الأسفل. قطاع المطاعم كان قبل أزمة 2019 من أهم القطاعات في عدد التوظيفات التي بلغت 160000 عامل مسجل بالضمان وما بين 35 إلى 45 ألف عامل في المطاعم الموسمية، وجميعهم من اللبنانيين. وكان قطاع المطاعم إلى جانب حجم الاستثمار الكبير فيه، يسجّل حجم استهلاك هائلا للمنتجات الوطنية، كما حجمًا هائلا في تسديد الضرائب لوزارة المال، بحسب نائب نقيب أصحاب المطاعم والمقاهي خالد نزهة. لكن هذا القطاع يعاني اليوم من موت سريري وتراجع في العمل وصل إلى 85 أو 90 % بعد حرب 2026، ولاسيما أن المناطق التي كانت تشكل ثقلًا في قطاع المطاعم، مثل بدارو ووسط بيروت والواجهة البحرية لبيروت، وصولًا الى الجميزة ومار مخايل، شهدت كلها ضربات عسكرية أو كانت على تماس مع هذه الضربات، ما جعل الرواد يخشونها ويبتعدون عنها.
ويؤكد نزهة أن إقفال المطاعم والمقاهي يتتالى، ومن بقي منها في هذه المناطق لا يشهد الملاءة المعهودة، ما يجعله عرضة للإقفال في ظل غلاء أسعار المواد والطاقة والمياه، وقد اضطر كثير منها إلى وضع خطط طوارئ لتقليص النفقات والحفاظ على الاستمرار، لئلا تضطر إلى صرف موظفيها والإقفال. لا أرقام دقيقة عن عدد المؤسسات التي أقفلت أبوابها، ولكن على صعيد لبنان تقدّر خسائر القطاع السياحي، ولاسيما المطاعم، بنحو 18 مليون دولار يوميًا. لكن ما أسهم في تقليص بعض من الخسائر، هو انتقال حركة المؤسسات السياحية والمطاعم إلى منطقة ساحل المتن، التي كانت قد بدأت سابقًا تستقطب أسماء معروفة أو جديدة، كما افتتحت مطاعم بيروت والمناطق المحيطة فروعا لها فيها. البعض يحكي عن زحف للمطاعم والمقاهي نحو منطقة ساحل المتن ،بسبب معطيات كثيرة يفصلها لـ “نداء الوطن” رئيس بلدية الضبية عوكر ذوق الخراب حارة البلان المهندس نبيه طعمه.
ضبية ثقل اقتصادي بديل
“لم يكن تحوّل المنطقة نقطة لجذب المطاعم والاستثمارات نتيجة الصدفة، بل لأننا أردنا لضبية أن تكون مدينة نموذجية، وقمنا بكل ما يلزم لدعم هذه المؤسسات السياحية وتوفير بيئة آمنة لها. سهلنا الطريق بجعلها في اتجاه واحد، أمّنا مواقف للسيارات، زدنا عديد شرطة البلدية إلى 180 شخصًا وجهزنا كاميرات مراقبة في النطاق البلدي، للوصول إلى سيطرة أمنية مطلقة ومنع الحوادث الأمنية على أنواعها”. ولا ينكر رئيس البلدية أن وجود السفارة الأميركية في المنطقة وفر نوعًا من الأمان، بسبب الحراسة الدائمة وشعور الناس بأن من الصعب استهداف السفارة وغيرها من الأسباب…
نسبة المطاعم في الشارع الداخلي الممتد بين ضبية والنقاش ارتفعت 200% ولم يبق أي عقار غير مستأجر . وبعد حرب 2026 افتتح نحو 30% من المطاعم فروعًا ثانية لها في المنطقة. وحتى عدد المكاتب المستأجرة ارتفع أيضًا، وباتت كل المكاتب المتوافرة مؤجرة. لكن المنطقة لم تستقطب المتاجر الصغيرة التي فضلت التوجه مثلًا إلى الـ “waterfront”، لكن وجود اثنين من أكبر “المولات” في ضبية، حصر المتاجر ومحلات الألبسة فيهما. هذا الـ “booming” لم يأت من فراغ يقول طعمة، بل من جهود بذلتها البلدية، وتسهيلات في منح الرخص، والمساعدة في كل الطلبات المقدمة ومحاولات إيجاد حلول عملية لكل المشاكل اللوجستية، لكن يبقى العامل الأهم موقع المنطقة القريب الى بيروت. في الحرب الأخيرة وحتى اليوم صار أهل بيروت والمناطق القريبة من الضاحية الجنوبية والمناطق الجبلية، يفتشون عن أماكن آمنة للسهر والترفيه ،يمضون فيها بعض الوقت ومن ثم يعودون بسرعة إلى بيوتهم ومناطقهم كل هذه العوامل اجتذبت أسماء معروفة.
غريتا التي تسكن في عوكر، ترفض حتى مجرد التفكير بالنزول إلى الأشرفية لتناول الطعام في أحد مطاعمها، فيما سامي الذي كان من رواد بدارو، صار “يحسب ألف حساب” ويترقب الأخبار قبل حجز كرسي له في أي من مقاهي الشارع. حتى من لجأوا إلى المتن يفضلون البقاء في المنطقة بدل أن يواجهوا الخوف مرة جديدة في بيروت… الشباب الذين كانت الـ “pubs” في الجميزة ملتقى ليليًا لهم، باتوا يفضلون بضغط من أهلهم منطقة ضبية نقاش بكل ما فيها من أماكن جديدة وفريدة. في السهر لا تفرقة بين الطوائف والرواد، تجمعهم على اختلاف مناطقهم الرغبة في الاستمتاع بالحياة.
انطلياس بوابة المتن
مبدأ التنوع والتجدد هو ما يركز عليه رئيس بلديّة انطلياس – النقاش جورج ايلي أبو جودة وأعضاء المجلس البلدي الذين أجمعوا على أن المنطقة تتميز بغنى وتنوع غير موجودين في المناطق الأخرى. فانطلياس استطاعت اجتذاب أكبر الأسماء وأرقاها في عالم المطاعم، وبعضها لا فروع له في مناطق أخرى، كما نوّعت بين فئات المطاعم لتستطيع استقطاب كل الطبقات الاجتماعية، ولاسيما في ظل الغلاء المتفشي حاليًا. وقد خلق التنوع نوعًا من المنافسة وأسهم في تحسين جودة التقديمات ونوعيتها… انطلياس بوابة المتن التي يمر عبرها الصاعدون إلى كل القرى المتنية، والنقاش التي تمتد في نهضة عمرانية كبيرة، تمكنتا من التحول إلى مركز الدائرة الممتدة من بيروت إلى جونية وصعودًا نحو بكفيا، وملتقى لتنوع كبير من الناس من كل الفئات. وقد ساعد وجود معالم دينية وثقافية وسياحية وتجارية فيها، باستقطاب المزيد من الناس إليها والمزيد من الاستثمارات. كما ساعد كونها منطقة سكنية تجمع بين الطبقات العليا والمتوسطة، في وجود قدرة شرائية لا بأس بها عند أهلها، الأمر الذي شجع على افتتاح المزيد من المطاعم وأماكن الترفيه، كما أسهم وجود اثنين من أكبر السوبرماركت في تنشيط الحركة أكثر وأكثر.
الحرب بلا شك زادت نسبة الإشغال حتى 30% في المنطقة، وحتى مع انتهائها وعودة الأمور إلى مجراها الطبيعي سيبقى ازدهار المنطقة قائمًا والمطاعم كلها موجودة، حتى لو عاد بعضها إلى فروعه الأساسية مثل الـ “pubs”، فهذه بحسب أحد أعضاء بلدية انطلياس، يسهل نقلها من منطقة إلى أخرى نظرًا لصغر الاستثمار المالي في ديكورها وحجمها وتقديماتها، أما المطاعم الكبيرة التي أنفق مالكوها ملايين الدولارات لتجهيزها، فمتى استقرت يصعب جدًا عليها الإقفال والانتقال إلى مناطق أخرى. البلدية قامت بما عليها، أمّنت إضاءة الشوارع ومواقف السيارات وتعمل على توسيع الطريق الداخلية، وإن كانت لا تتوافق مع بلدية ضبية في جعله باتجاه واحد، كون المنطقة هي ملتقى لأرتال من السيارات التي تنزل من المناطق الواقعة فوقها.
ساحل المتن استفاد عبر موقعه الجغرافي ورؤية القيمين عليه من ظروف الحرب الصعبة التي مرت على لبنان. لكن مقومات المنطقة ومؤهلات أهلها ومن يديرون أمورها، نجحوا في تحويل مخاوف الناس إلى أمل، واستطاعوا أن يخلقوا نقطة ضوء متوقدة وسط الظلام الذي عاشه لبنان. لكن هل يعني ذلك أن دور بيروت تراجع فعلًا؟ أو أن قطاع المطاعم لا يزال بخير؟
خالد نزهة “يشكر الرب” على أن المتن لا يزال يشتغل، ورغم صغر المنطقة ،بات حجمها الاقتصادي كبيرًا ، لكن الشغل فيها لا يعني أن البلد بخير، إذ أين مطاعم صور والناقورة والجنوب كله والبقاع الغربي وجزين؟ أين ملاءة مطاعم بيروت وفنادقها؟ المؤشرات لا تطمئن والمشاكل الاقتصادية ما عاد في الإمكان احتواؤها. قد يخفف شارع أو اثنان أو ثلاثة من حدة الأزمة، لكنه حتمًا لا يقدم حلولًا بديلة لها. فالمطلوب رؤية نهوض شاملة للبنان كل لبنان.