تضخّم الأسعار لا يقف عند سعر صرف الدولار

ارتفع الرقم القياسي العام لأسعار الاستهلاك في لبنان بنسبة 10.06% خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام، وفق بيانات إدارة الإحصاء المركزي، في مؤشر إلى أنّ الغلاء لم يتوقف رغم استقرار سعر صرف الليرة نسبياً منذ منتصف عام 2023. إلا أنّ التضخّم الحالي يختلف عن تضخّم سنوات الانهيار الأولى. فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بانهيار العملة، بل باتت ناتجة من ارتفاع الكلفة اليومية للحياة نفسها في بلد يعيش حرباً مفتوحة وضغطاً اقتصادياً مستمراً. فكل شيء تقريباً بات يُسعّر على أساس المخاطر: النقل، الطاقة، التأمين، الشحن وحتى الخدمات اليومية البسيطة.

وعند الغوص في عناصر المؤشّر، يتبيّن أنّ الارتفاع الأكبر سُجّل في بند النقل، حيث تجاوزت نسبته الـ26% منذ بداية العام. وهذا الرقم يعكس مباشرة ما يعيشه اللبناني يومياً، بعدما تحوّلت كلفة التنقّل إلى عبء ثابت يستنزف جزءاً أساسياً من المداخيل. فارتفاع أسعار البنزين بعد الضرائب الجديدة التي فرضتها الحكومة، إلى جانب ارتفاع الأسعار العالمية نتيجة الحرب والتوترات الإقليمية انسحب على كلفة العمل والتوزيع والشحن ونقل البضائع بين المناطق. حتى سيارات الأجرة والنقل المشترك باتت تعدّل أسعارها بشكل متكرر تحت ضغط المحروقات والصيانة وقطع الغيار المسعّرة بالدولار.

ويمكن ملامسة حجم هذا العبء بشكل أوضح من خلال كلفة التنقل اليومية نفسها، فإذا افترضنا أنّ موظفاً عادياً يعمل 22 يوماً شهرياً ويستخدم «السرفيس» للتنقل، بكلفة تقارب 600 ألف ليرة يومياً ذهاباً وإياباً، فهذا يعني أنّه يحتاج إلى نحو 13 مليون ليرة شهرياً فقط للوصول إلى عمله، أي ما يوازي حوالي 147 دولاراً شهرياً. عملياً، تستهلك كلفة النقل وحدها ما يقارب نصف الحد الأدنى للأجور البالغ نحو 312 دولاراً، من دون احتساب الطعام أو الكهرباء أو الإيجار أو أي مصاريف معيشية أخرى. وهذا ما يفسّر كيف تحوّل النقل إلى أحد أبرز مصادر الضغط اليومي على اللبنانيين، حتى بالنسبة إلى أصحاب الدخل الثابت.

أمّا بند السكن والمياه والكهرباء والغاز والمحروقات الأخرى، الذي ارتفع بنسبة 13.69%، فيعكس بدوره حجم الضغط المعيشي الذي تواجهه الأسر اللبنانية يومياً، خصوصاً مع استمرار الاعتماد على المولّدات الخاصة والطاقة البديلة في ظل ضعف التغذية الكهربائية الرسمية. فغالبية العائلات باتت تدفع فاتورتين للكهرباء، واحدة للدولة وأخرى للمولّدات، إضافة إلى كلفة البطاريات والطاقة الشمسية والصيانة والمحروقات.

ويبرز داخل هذا البند تحديداً «الماء والغاز والكهرباء والمحروقات الأخرى»، الذي سجّل وحده ارتفاعاً ضخماً بلغ 33.05%، ليكون من أكثر البنود ارتفاعاً داخل المؤشر. وهذا الرقم يكشف حجم التحوّل الذي أصاب نمط الإنفاق اليومي للأسر اللبنانية، حيث أصبحت الطاقة والخدمات الأساسية تستنزف جزءاً أساسياً من الدخل.

فالكهرباء لم تعد مجرّد فاتورة شهرية، بل تحوّلت إلى اقتصاد موازٍ كامل: اشتراك مولّد، مازوت، بطاريات، صيانة وطاقة شمسية، كلها مُسعّرة بالدولار النقدي. حتى المياه أصبحت مرتبطة مباشرة بأزمة الطاقة، لأنّ ضخ المياه والصهاريج وتشغيل الآبار كل ذلك عتمد على المازوت والكهرباء، ما رفع كلفة الاشتراكات الخاصة في عدد كبير من المناطق.

كما أنّ الحرب عمّقت الضغط على هذا القطاع تحديداً، إذ إنّ أي تصعيد عسكري أو خوف من توسّع المواجهة يرفع فوراً كلفة الشحن والتأمين على المحروقات المستوردة، ما ينعكس مباشرة على أسعار المازوت والبنزين والغاز. كذلك ساهم النزوح الداخلي من المناطق الحدودية في زيادة الضغط على الكهرباء والمياه والإيجارات والخدمات في المناطق التي استقبلت النازحين.

ولا يقتصر تأثير هذا الارتفاع على الأسر فقط، بل يطاول الاقتصاد كله، لأنّ غالبية المؤسسات والمحالّ والمطاعم والأفران باتت تعتمد على الطاقة الخاصة لتأمين الحد الأدنى من التشغيل، ما يجعل كلفة الكهرباء والمحروقات تنعكس تلقائياً على أسعار مختلف السلع والخدمات.

كذلك ارتفع بند المطاعم والفنادق بنسبة 11.60% حيث حاولت المؤسسات التعويض عن تراجع الحركة عبر رفع الأسعار. فالمطاعم والفنادق تدفع اليوم كلفة مرتفعة للطاقة والتشغيل والمواد الأولية. وسجّل بند الاستجمام والثقافة ارتفاعاً بنسبة 10.01%، في انعكاس لتحوّل الكثير من الأنشطة الترفيهية إلى خدمات مرتفعة الكلفة بالدولار.

أمّا المواد الغذائية والمشروبات غير الروحية، فسجّلت ارتفاعاً بنسبة 8.97%. ورغم أنّ الغذاء كان المحرّك الأساسي للتضخّم خلال سنوات انهيار الليرة، إلا أنّ ارتفاعه اليوم بات مرتبطاً أكثر بكلفة الطاقة والنقل والشحن والتأمين، لا فقط بسعر الصرف. وحتى المُنتجات المحلية لم تعد بمنأى عن الغلاء، لأنّ كلفة نقلها وتخزينها وتشغيل المؤسسات المنتجة ارتفعت بشكل كبير.

وفي المقابل، سجّلت بعض البنود ارتفاعات أقل، مثل الأثاث والتجهيزات المنزلية بنسبة 3.37%، والصحة بنسبة 0.28%. إلا أنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنّ هذه القطاعات أصبحت أرخص، بل يعكس أيضاً تراجع الطلب. فكثير من اللبنانيين باتوا يؤجّلون شراء الأثاث أو القيام بإصلاحات منزلية أو حتى متابعة بعض العلاجات والفحوصات الطبية غير الطارئة، بعدما أصبحت الأولوية لتأمين الحاجات الأساسية.

وهكذا، لم يعد اللبناني يقيس الأزمة فقط بسعر صرف الليرة، بل بكلفة يومه العادي: فاتورة كهرباء، اشتراك مولّد، سرفيس، مياه وطعام. فحتى مع استقرار الدولار نسبياً، بقيت الحياة نفسها تزداد كلفة شهراً بعد شهر.

Leave A Reply

Your email address will not be published.