مشهدٌ عقاري جديد: التملّك يتراجع… والإيجارات ترتفع!
في ظلّ التحوّلات العميقة التي يشهدها لبنان على وقع الحرب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، لم يعد القطاع العقاري في منأى عن هذه الارتدادات. فهذا القطاع، الذي لطالما اعتُبر ملاذًا آمنًا ومؤشرًا على استقرار البلاد، بات اليوم يعكس حالة القلق وعدم اليقين التي تسيطر على قرارات الأفراد والمستثمرين، في ظل تراجع الثقة وغياب الأفق الواضح.
مع تغيّر الأولويات واشتداد الضغوط المعيشية، تحوّل سلوك المشترين والمستأجرين بشكل ملحوظ، إذ لم يعد البحث عن الربح أو الاستثمار هو الدافع الأساسي، بل أصبح الأمان والاستقرار وتوافر الخدمات في صدارة الاهتمامات. وبين سوق بيع حذر وإيجارات تشهد ضغوطًا متزايدة بفعل النزوح، يبرز مشهد عقاري جديد يعكس عمق الأزمة التي يعيشها لبنان اليوم.
يشير أمين سر “جمعية مطوّري العقار في لبنان” مسعد فارس، إلى أن “السوق العقاري في لبنان لم يعد يتحرّك اليوم بمنطق الاستثمار والربح فقط. فالحرب الأخيرة، والنزوح الداخلي، وتراجع السياحة، وغياب التمويل السكني، كلّها عوامل غيّرت أولويات الناس. لم يعد المشتري أو المستأجر يبدأ بالسؤال عن السعر أو العائد، بل يسأل أولا: هل المنطقة آمنة؟ هل يمكن الوصول إليها؟ هل تتوافر فيها الكهرباء والمياه والخدمات؟ وهل العقار جاهز للسكن فورًا؟”.
ويرى أن “هذا التحوّل مهم جدًا. فالعقار في لبنان كان يُعتبر دائمًا ملاذًا آمنًا، خصوصًا عند اهتزاز العملة أو المصارف أو الأسواق. لكن اليوم، لم يعد الأمان مرتبطًا فقط بامتلاك عقار، بل بموقعه، ووضعه القانوني، وسهولة استخدامه، والقدرة على تأجيره أو السكن فيه عند الحاجة”.
كيف أثرت الحرب؟
يلفت فارس إلى أن “الحرب الحالية قسّمت السوق عمليًا إلى أكثر من سوق. فهناك مناطق تراجع فيها الطلب بسبب المخاطر الأمنية أو الخوف من التصعيد، وأخرى ارتفع فيها الطلب لأنها تُعد أكثر أمانًا أو أقرب إلى الخدمات. لذلك نلحظ ضغطًا واضحًا على الإيجارات في بعض مناطق جبل لبنان والمناطق الداخلية، ليس لأن السوق في وضع ممتاز، بل لأن النزوح خلق حاجة سريعة وطارئة للسكن”.
يضيف: “بحسب بيانات منظمة الهجرة الدولية، تجاوز عدد النازحين داخليًا في لبنان أكثر من مليون شخص في نيسان 2026. وهذا الرقم يفسّر بحد ذاته الارتفاع غير الطبيعي في الإيجارات في بعض المناطق. فالعائلات النازحة لا تبحث عن استثمار، بل عن سقف آمن، ولو بشكل موقت. ومن هنا يمكن القول إن جزءًا من هذا الارتفاع ظرفي، مرتبط بالحرب والخوف، وليس نتيجة نمو اقتصادي فعلي”.