القطاع الزراعي: خسائر بالمليارات وأمن غذائي مُهدّد

22% من الأراضي الزراعية في لبنان باتت متضررة، والخسائر تخطت 800 مليون دولار ، مع تهجير 80% من مزارعي الجنوب من أراضيهم. هذه الارقام صرح بها وزير الزراعة نزار هاني مؤخرا، مشيرا الى واقع بالغ الخطورة، ويشكل جرس إنذارلقطاع لم يعد يواجه أزمة إنتاجية فحسب، بل انهيارا بنيويا يطال الأرض والإنسان معا بفعل العدوان الإسرائيلي، في ظل تضخم اقتصادي وغذائي متصاعد، يهدد استمرارية الإنتاج.

وتعزز هذه المؤشرات تقارير منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، التي تظهر خسائر تقدر بنحو 704 ملايين دولار ، من أضرار مباشرة وغير مباشرة بين عامي 2024 و2026، ويقدر البنك الدولي كلفة الأضرار في القطاع الزراعي والثروة الحيوانية بنحو 1.2 مليار دولار، ضمن خسائر اقتصادية أوسع تتراوح بين 8.5 و14 مليار دولار، ما يعكس انتقال الزراعة من قطاع إنتاجي أساسي، إلى نقطة ضعف داخل اقتصاد هش.

كما كشفت بيانات الأمم المتحدة عن تحولات عميقة في البنية الزراعية، إذ أصبحت مساحات واسعة من الأراضي خارج الإنتاج، بالتوازي مع نزوح أكثر من 70% من مزارعي الجنوب، نتيجة التصعيد وتدمير البنى التحتية وصعوبة الوصول إلى الحقول، إضافة إلى نفوق أعداد كبيرة من المواشي.

ويبقى الخطر الأعمق غير المرئي في تلوث التربة ببقايا القذائف، ما يهدد بإخراج مساحات إضافية من الإنتاج لسنوات طويلة.

تراجع التصدير

وخسارة الأسواق الخارجية

الزراعة اللبنانية لم تعد تعتمد على السوق المحلي فقط، إذ شكلت الأسواق الخارجية، خصوصا الخليجية، ركيزة أساسية للمزارعين، لكنها تواجه في عام 2026 تراجعا حادا، نتيجة تعقد طرق التصدير البرية ، وارتفاع كلفة الشحن والتأمين، وتأخيرات ورفض لبعض الشحنات، إلى جانب منافسة قوية من منتجات بديلة.

وفي السياق نفسه، تشير تقديرات أولية صادرة عن وزارة الزراعة ومنظمة الأغذية والزراعة ( FAO ) ، إلى خسائر تتراوح بين 30% و50% من بعض المواسم الأساسية، ولا سيما الزيتون والخضار، بما يعكس تراجعا حادا في الإنتاج.

ارتفاع الاسعار

وتتعمق الأزمة داخليا مع اختلال واضح في توازن السوق، فقد أدى تراجع الإنتاج وانكماش التصدير إلى ارتفاع حاد في أسعار بعض السلع الأساسية، نتيجة نقص العرض وارتفاع الكلفة، في مقابل انخفاض أسعار منتجات أخرى، بسبب تعذر تصريفها خارجيا، ما كبد المزارعين خسائر إضافية . وقد سجلت أسعار الخضار والفواكه ارتفاعات تراوحت بين 30% و60% في فترات مختلفة، بالتوازي مع زيادة كلفة السلة الغذائية الأساسية.

ومع تزايد الاعتماد على الاستيراد، وتراجع الإنتاج المحلي، امتدت الأزمة إلى الأمن الغذائي الوطني، حيث أشارت بيانات برنامج التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي IPC برنامج الغذاء العالمي، إلى أن نحو 1.24 مليون شخص يعانون من انعدام أمن غذائي حاد في عام 2026، ما يعكس انتقال لبنان إلى مرحلة هشاشة غذائية متصاعدة. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن أكثر من 70% من اللبنانيين، يعيشون تحت ضغط اقتصادي حاد، ما يجعل الغذاء عبئا يوميا متزايدا.

يذكر انه وفقا لأحكام اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، يحظر استهداف الأراضي الزراعية وتدمير مصادر الغذاء ، ويعد تجويع المدنيين انتهاكا خطيرا. وفي هذا الإطار ترى منظمات حقوقية أن تكرار هذه الأفعال، قد يرقى إلى انتهاكات جسيمة تستوجب التحقيق والمساءلة القانونية.

في المحصلة، يتجاوز ما يشهده القطاع الزراعي كونه خسائر موسمية، ليأخذ شكل تحول بنيوي قسري يهدد أحد أعمدة الصمود في لبنان، حيث لا تستهدف الأرض وحدها، بل دورة الحياة الاقتصادية كاملة، من البذرة إلى السوق وصولا إلى لقمة العيش. ويبقى السؤال هل يبقى لبنان بلدا يزرع ويأكل مما يزرع؟ أم يتجه تدريجيا إلى الاعتماد الكامل على الخارج لتأمين غذائه؟.

Leave A Reply

Your email address will not be published.