الفجوة الرقمية: قراءة في الأسباب الاقتصادية

نرى عياناً أنّ الجدل دائر ومحتدم هذه الأيام، حول الأسباب الاقتصادية التي أدّت إلى تشويه أو خدش صورة العالم الرقمي وزعزعة أركانه، ما أحدث فجوة رقمية (Digital gap) لا ترضى أن تتمهّل في اتساعها ولا أن تتباطأ في سرعتها. أمّا أمر ذلك فواضحٌ صريح؛ لأنّ تلك الأسباب كثيرة جمَّة، والكل يريد أن يدلو بدلوه ولو كان كلامه أَصْدَقَ الشَّبه بالمنحرف عن جادة الرأي الصائب. وممّا حَقُّه أن يكون على صواب، مَنْ يَصْدُق في تشخيص الواقع؛ أي مَن يراجع عقله المجرَّب ويستعينه على تمام البيان والإيضاح.

وعليه، وكي لا نُسرف في التفصيل والتركيب واعتماداً على درجة مقبولة لدينا في الاستقصاء العلمي، نحسب أن تكتل الكبار في مواجهة الصغار من أبرز الأسباب الاقتصادية التي ساهمت بمقدار ما، في بروز الفجوة الرقمية بين الدول المتقدّمة والدول النامية. وكأنّ الشركات العملاقة لا تسمح للشركات الفتيَّة والصغيرة حجماً وتمويلاً بالنهوض واللحاق بالركب الرقمي، وهي بذلك تتجاوز المُشْتَرَطَ من الحقوق ولا مَن يرفع الصوت من جانب الشركات «المستضعفة»، حتى لكأنّك تشعر بأنّ هذه الأخيرة تبارك للأولى تفوقها وتشدّ على يديها بالرضى والقبول. وزِد على ذلك، إنّ العصر الذي نعيش فيه يُشْهِدُنا على أن تحكُّم الكبار بالصغار ما هو إلّا نتيجة وتيرة زمنية متصلة من السيطرة؛ إذ شهدت الأجيال المتعاقبة بأم العين، تدرّجها (الوتيرة) وتماسك حلقاتها وترابط عناصرها.

وهكذا، نجد أنّ التكتل الاقتصادي على مستوى المؤسسات الكبرى، في نمو مطرد بلا توقف أو تراجع، وذلك عن طريق حشد مبالغ هائلة لتكثيف رأس المال، الذي يمسك بحبال التحكّم الرقمي Digital) control) من كل أطرافها. وهذا ما يشي بولادة اقتصاد غير تقليدي قِبال الاقتصاد التقليدي، حيث تتلاقى بين جدرانه مذاهب ومفاهيم جديدة، ما يسمح بإعادة تشكيل الوعي الفردي كما الجماعي، نمذجة السلوك البشري والتلاعب بالبُنية التحتية الرقمية التي باتت الآن أكثر من أي وقت مضى، بمثابة السُّقْيَا للنبات والروح للحياة.

وإذ قد عَرَفْتَ أنّ الناس يخلعون على منتجات الكبار من أي نوع، حِلَّة قشيبة كأن قد أُجْرِيَ في خيوطها ذهبٌ خالص حتى طُليت به بالكامل! ويخلعون بالمقابل عن منتجات الصغار كل مزية أو فضل؛ فإنّ الأمر متروك على حاله فترة طويلة ممتدة من الزمن. وأمّا السبب الثاني، فعائدٌ إلى ارتفاع كلفة توطين تكنولوجيا المعلومات؛ بمعنى رصد ميزانية يُعوَّل عليها لفائدة تصميم وإنشاء البنى التحتية اللازمة لتشييد أسس ومداميك شبكات الاتصال ذات النطاق العريض (Broad band) لكن بسعة عالية (High capacity) ومجال تردُّدي واسع الفضاءات والمسارات؛ بُغية احتضان الكم الهائل من البيانات المتدفقة والمندفعة اندفاع السيل العَرِم. ومتى ما تمّ ذلك الاحتضان بعناية وحرص، أمكن ضمان سرعة نقل الملفات وتجنّب الازدحام (Crowdedness) لدى اتصال أجهزة متفرقة مع بعضها في وقت واحد.

وللعلم، فإنّ العبرة في تحقق ما أشرنا إليه للتَّو على الوجه الصحيح، لا يكون (التحقق) سليماً معافى من أي عيب أو خلل – إذ تجري الأمور خلاله على غاية القوّة والوضوح – إلّا باستخدام الألياف الضوئية أو ما يتكافأ معها من حيث الجودة وحُسن الصنعة. وما يزيد الطين بِلَّة، ارتفاعٌ مقابل في كلفة تطوير محتوى ذي فوائد محمودة، في ما يخص تطبيقات الوسائط المتعدِّدة بشكل مخصوص. وهذه التطبيقات إنّما تأتي على نوعَين؛ أمّا الأول فتطبيقات تفاعلية (Interactive) تُتيح التفاعل المباشر مع المادة المعروضة. وما الثاني سوى تطبيقات غير تفاعلية (Non-interactive) تُشاهد من ألفها إلى يائها من جانب المستخدم، من دون تدخّل منه في مجرياتها من قريب أو بعيد.

وجملة القول وبدوام حركة البحث، فإنّنا ذاهبون إلى الحديث عن السبب الثالث والمتمثل بفجوة المهارات الرقمية التي تُقلّل من فرص استغلال التكنولوجيا لمراكمة المداخيل وتحسين شروط العيش. ومن ثم تبرز الأمّية الرقمية (Digital illiteracy) سبباً رابعاً، فتُحرم الأفراد من فرص عمل ذات مردود مالي وفير، بسبب انعدام قدراتهم في التعامل مع أدوات وتقنيات المعلومات الحديثة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.