الحرب وإيرادات الخزينة تختبر الليرة: هل يبقى الاستقرار النقدي صامداً؟

تفاقِم الحرب على لبنان الضغوط على مجمل البنية الاقتصادية والمالية، بما يعزز المخاوف من اهتزاز الاستقرار النقدي وارتفاع سعر صرف الدولار، نتيجة الضغط المتزايد على الليرة اللبنانية، خصوصا في بيئة شديدة الحساسية تجاه حجم السيولة بالعملة المحلية.

وتزداد هذه المخاوف حدة مع احتمال اعتماد سياسات مالية أو نقدية غير منضبطة، أو التوسع في ضخ الليرة، بالتوازي مع تراجع تدفقات العملات الأجنبية، ما قد يعجّل وتيرة الضغوط على سعر الصرف.

ليس جديداً القول إن المالية العامة في لبنان تعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات المحصلة بالليرة اللبنانية، والتي تشكل نحو 90% من مجمل الإيرادات، في مقابل نحو 10% فقط بالدولار الأميركي. وبحكم طبيعة الإنفاق العام، تستخدم حسابات الليرة لتغطية النفقات الداخلية، بينما يخصص حساب الدولار لتسديد الالتزامات الخارجية. وقد شهدت هذه الحسابات خلال فترة قصيرة تقلبات ملحوظة، إذ ارتفعت الإيرادات لفترة وجيزة قبل أن تعود وتنخفض بنسبة تراوح بين 35% و40% خلال شهر آذار، ما جعلها غير كافية لتغطية النفقات، وتاليا فرض اللجوء إلى استخدام الأرصدة المتاحة، وهو أمر بديهي في إدارة المالية العامة.

على رغم ذلك، تسعى وزارة المال إلى ضبط الإنفاق وتحديد الأولويات ضمن الموازنة، في محاولة للحد من أي انعكاسات سلبية إضافية. غير أن التحدي الأساسي يكمن في كيفية إدارة السيولة بالليرة اللبنانية، إذ إن ضخ كميات كبيرة منها في السوق قد يفضي إلى ارتفاع الكتلة النقدية، ما يضغط على سعر الصرف ويؤدي إلى تدهوره. من هنا تأتي التحذيرات من استخدام حسابات الدولة بالليرة على نحو مفرط، لما لذلك من تأثير مباشر في الاستقرار النقدي.

تشير المعطيات إلى أن الدولة تمتلك في حسابها بالليرة (الحساب 36) ما يزيد على 200 ألف مليار ليرة، أي ما يعادل أكثر من ملياري دولار، في حين يتجاوز رصيدها بالدولار نصف مليار دولار تقريبا. أما إيرادات الدولار النقدي، فتأتي أساسا من 3 مصادر رئيسية، أبرزها الرسوم المفروضة على تذاكر السفر (35 دولاراً)، إضافة إلى إيرادات مؤسسات عامة مثل الكازينو والريجي، فيما تستوفى الضرائب الاساسية بالليرة اللبنانية كضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية، وهذا يساهم في شكل غير مباشر في تعزيز تداول العملة الوطنية.

في المقابل، يبلغ حجم الكتلة النقدية نحو 66 ألف مليار ليرة، أي ما يعادل أقل من 800 مليون دولار، وهو مستوى يعدّ، وفق المعطيات الحالية، كافياً للمحافظة على قدر من الاستقرار النقدي. ويقدّر احتياط مصرف لبنان بنحو 11.6 مليار دولار، ما يشكل عنصر دعم إضافي ومهمّ في مواجهة الضغوط.

أما من ناحية السوق، فعلى رغم تراجع عرض الدولار خلال فترة الحرب، لا يزال متوافرا، في غياب الطلب المرتفع عليه، وهو ما ساهم في استقرار سعر الصرف نسبيا. ولتحصيل الضرائب دور محوري، إذ يؤدي دفع الضرائب بالليرة إلى زيادة عرض الدولار في السوق نتيجة اضطرار الأفراد إلى بيعه للحصول على العملة المحلية. في المقابل، فإن تراجع التحصيل الضريبي كما حدث أخيراً، يقلص عرض الدولار، ما قد ينعكس سلباً على استقرار السوق.

بناء على ما تقدم، تؤكد مصادر مصرف لبنان أن “الخطر على سعر الصرف مستبعد، والمصرف مستمر في سياسة الحفاظ على الاستقرار النقدي، ولكن لا بد من الانضباط في إدارة السيولة وتجنب التوسع غير المدروس في ضخ الليرة اللبنانية. فالحرب، بما تفرضه من ضغوط مالية واقتصادية، قد تتحول سريعاً إلى عامل زعزعة نقدية ما لم تواكب بسياسات حذرة توازن بين متطلبات الإنفاق والاستقرار النقدي”.

Leave A Reply

Your email address will not be published.