أقل من وجبة طعام يومياً لكل نازح في مراكز الإيواء | 45 يوماً من النزوح: فشلٌ ذريع في استجابة الدولة
في اليوم الخامس والأربعين من الحرب الإسرائيلية على لبنان، ووسط كل المتغيّرات، يبرز ثابت وحيد في المشهد، هو استمرار سوء إدارة ملف النزوح، وتعمّق الأزمة الإنسانية لأكثر من مليون نازح. وإذا كانت الأيام العشرة الأولى تسمح بالتماس أعذارٍ نتيجة الضغط الذي تفرضه أزمات إنسانية كهذه، فالأكيد أن شهراً ونصف شهر، مدّة كافية لاستنتاج أنّ المسؤولين اللبنانيين المعنيين بالملف، على رأسهم رئيس الحكومة نواف سلام ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد، مروراً بسحر بعاصيري المُعيّنة بشكل مخالف للقانون مسؤولة عن قطاع الغذاء – بصفتها زوجة سلام – وصولاً إلى كل الأجهزة التابعة لرئاسة الحكومة المعنية بالإغاثة، إمّا فشلوا في إدارة الملف، وإمّا لا يُريدون تأمين أكثر من الفتات الذي يُقدَّم حالياً فقط لـ 14% من النازحين.
تحليل بسيط للأرقام الرسمية الواردة في التقارير اليومية لوحدة إدارة الكوارث المعنيّة مباشرة بخطة الاستجابة، يُدلِّل على الضعف الشديد في تقديمات وزارة الشؤون الاجتماعية (مصدر التقديمات جهات مانحة وليس الدولة اللبنانية) للنازحين المقيمين داخل مراكز الإيواء. فوفقاً لآخر تحديث، بلغ عدد النازحين داخل المراكز 141,383 نازحاً. وإذا ما قسّمنا عدد الحصص الجاهزة للأكل (101,773) وعدد وجبات الغذاء الساخنة والباردة (4,955,940)، الموزّعة منذ بداية العدوان على عدد النازحين، يتبين أنّ الفرد حصل على أقل من وجبة طعام يومياً. وعلى مستوى مياه الشرب، فإن تقسيم (2,574,437 ليتراً) موزّعة لغاية الآن، يُظهِر أنّ الفرد حصل على حوالى 18 ليتراً في 45 يوماً، أي قرابة نصف ليتر في اليوم. كذلك بالنسبة إلى مستلزمات النظافة الشخصية، التي تمّ توزيع 132,738 حصّة منها، أي أقلّ من حصّة واحدة للفرد في شهر ونصف شهر من النزوح. والأمر نفسه بالنسبة
ونصف شهر من النزوح. والأمر نفسه بالنسبة لمستلزمات الأطفال الموزّعة (7,734) على 5,500 طفل تُراوِح أعمارهم بين سنة وخمس سنوات، أي إن الطفل الواحد حصل على حصة ونصف حصة طيلة فترة النزوح.
إذاً، الحكومة لا توفّر أوضاعاً إنسانية مقبولة بالحد الأدنى لـ 14% فقط من النازحين الذين تهتم بهم. وإذا كانت الجهات الرسمية المعنية بالاستجابة غير قادرة على إطعام وتدفئة وتوفير مستلزمات النظافة لأقل من ربع النازحين، يصبح وجودها بلا معنى، طالما أنها لا تؤدّي أي دور سوى في العراضات الإعلامية للوزيرة السيّد، التي تتهرّب في كلّ مرة من الإجابة الدقيقة حول أوضاع 86% من النازحين في البيوت والطرقات. وهؤلاء لغاية ايوم، لم تُعلِن السيّد عن آلية مساعدتهم، وليس هناك أي نصّ منشور بهذا الخصوص. وبذلك تتعمّد السيّد ضرب مبادئ الشفافية، بحيث إنّ السلطات الرقابية الرسمية، والجهات الرقابية الأخرى، وهيئات المجتمع المدني والصحافة لا يمكنها الركون إلى أي نص مرجعي يُقيِّمون على أساسه أداء السيّد.
وبالعودة إلى الواقع الإنساني، لحوالى 900 ألف نازح، خارج مراكز الإيواء، يشكّلون قرابة 180 ألف عائلة، إذا ما اعتبرنا أنّ العائلة تتألف من خمسة أفراد، وفقاً للمعايير العالمية في مجال الاستجابة الإنسانية، فإن جلّ ما قُدِّم لهؤلاء، مبلغ 145 دولاراً للأسرة وفق معادلة 20 دولاراً للفرد شرط ألا يتعدّى عدد الأفراد المشمولين الخمسة + 45 دولاراً. وهو مبلغ دفعته وزارة الشؤون الاجتماعية مرة واحدة فقط منذ بداية العدوان لـ 50 ألفاً من العائلات التي نزحت في حرب 2024 وفي الحرب الحالية، إضافة إلى 15 ألف عائلة أخرى، أي ما مجموعه 65 ألف عائلة استفادت بمبلغ هزيل من برنامج «أمان» من أصل 180 ألف عائلة.
وبحسب المعلومات، لا تزال السيّد تدرس ملفات العائلات التي سُجّلت على رابط خصّصته الوزارة للنازحين ونشرته على موقعها. وهي بصدد صرف الدفعة الثانية من المساعدات النقدية بعدما تنتهي من تقييم أوضاع هذه العائلات. اللافت أنّ السيّد تريد الاعتماد على التمويل الذي سيتلقاه لبنان من «النداء الإنساني العاجل» الذي أطلقته الحكومة في 13 آذار الفائت، لتقديم المساعدات النقدية للعائلات النازحة. والأرقام الرسمية المنشورة عبر الرابط المُخصّص لهذا النداء، تُظهِر أن المساعدات الدولية المقدّمة حتى الآن (لا يعني أن جميعها وصلت) بلغت 67,688,834 دولاراً، تغطي فقط 22% من أصل 308 ملايين دولار أعلن لبنان حاجته إليها لتغطية عمليات الاستجابة لأزمة النزوح.
غير أن ما صُرف فعلياً من تلك الأموال هو 96,300 دولار فقط.
وعبر رابط رسمي أطلقته وحدة إدارة الكوارث، يمكن تعقّب حركة توزيع المساعدات الإنسانية على النازحين داخل وخارج مراكز الإيواء، ويتّضح أنّ نسبة المساعدات المقدّمة من الدولة عبر مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة هي الأقل، مع عدم تجاوزها 5% من مجمل المساعدات المقدّمة، علماً أنها تستهدف حصراً النازحين خارج المراكز، في دليل إضافي على أن هذه الشريحة من النازحين لم يحصل جلّها على مساعدات. والفئة منها التي شملتها عمليات التوزيع لم تحصل على أكثر من حصة غذائية (لمرة واحدة) أو بطانية في شهر ونصف شهر من النزوح. والأمر مردّه إلى أنّ الحكومة اكتفت بموازنات الهيئة والمجلس وبعض الهبات العينية، ولم تجد في نقص التمويل الدولي لخطة الاستجابة دافعاً لتخصيص أي اعتمادات إضافيّة.
وفي حين تزداد أعداد النازحين، تارة بسبب ضربات عدوانية في مناطق يُفترض أنها آمنة، مثل العاصمة بيروت، وتارةً بسبب شمول إنذارات الإخلاء مناطق جديدة وآخرها منطقة الجناح، لا تزال الحكومة، وتحديداً سلام وكل المسؤولين عن خطة الاستجابة، ينتظرون تمويل المجتمع الدولي بصفته المصدر الوحيد والحصري لتمويل احتياجات النازحين، بذريعة انعدام خيارات بديلة. إلا أنّ الحكومة لو أرادت أن تقوم بدورها البديهي نحو مليون لبناني مشرّدين من منازلهم، ومنقطعين عن مصادر أرزاقهم، لكانت استخدمت جزءاً من أموالها لدى المصرف المركزي، المُقدّرة بـ 10 مليارات دولار، إذ إنّ مبلغ 308 ملايين دولار الذي طلبت الحكومة من المجتمع الدولي تأمينه لتغطية خطة الاستجابة الإنسانية، يشكّل 3% فقط من مجموع ودائعها المُقدّرة في مصرف لبنان. لكنّها تفضّل التسوّل على حساب حفظ كرامة المواطن اللبناني.
وهي تصرّ على الاستمرار في التسوّل رغم مرور شهرٍ على إطلاق النداء، من دون أن تستطيع الحصول على ربع المبلغ الذي طلبته، متعاطيةً مع عوز وإذلال المواطنين كعوارض جانبية يمكن تحمّلها حتى وصول الأموال. غير أنها في الغالب لن تصل، والحكومة مدركة لذلك، انطلاقاً من علمها بتخفيض ميزانيات هيئات الأمم المتحدة والمنظمات العاملة معها بنسبة 60% منذ بداية عام 2026. وهذا الاقتطاع الحاصل لأسباب عديدة مرتبطة بالدول المانحة، انعكس تراجعاً كبيراً في التمويل المرصود للمنظمات العاملة في لبنان.
إلى ذلك، تتواصل مظاهر هدر التمويل نتيجة سوء إدارة سلاسل الإمداد. وفي المعلومات، تُفرض خيارات تموينية غير منطقية، كتكليف مورّدين بعيدين جغرافياً عن مراكز الإيواء. ومن الأمثلة الفاقعة تجهيز وجبات في أحد مطاعم فقرا لتغذية نازحين في طرابلس، ما يرفع الكلفة ويضعف جودة الخدمة.
وفي البقاع، برزت شبهات احتكار في تزويد الحصص الغذائية، إذ يتولى أحد التجار في منطقة الكرك إعدادها بأسعار مرتفعة، لصالح جهة رسمية في الدولة تتولى توزيعها، في ظل غياب رقابي واضح من الجهات المعنية. إلى ذلك، تفاقمت التوترات بين «الشؤون الاجتماعية» والجهات المحلية، بعدما وجّهت مستشارة الوزيرة ملاحظات حادّة إلى بعض البلديات في البقاع، ولوّحت بقطع المساعدات، على خلفية انتقادات لأداء الوزارة، ما يعكس تحوّل العمل الإغاثي من مسار إنساني إلى ساحة تجاذب سياسي.