استراتيجية “ترحيل الأزمات”: الشرق الأوسط بين إعادة تشكّل التوازنات والانكفاء الأمريكي

بقلم: أشرف شنيف

 

تعكس التحركات الدبلوماسية الأخيرة -من قيادة نائب الرئيس الأمريكي لوفد التفاوض في إسلام آباد، إلى انخراط دونالد ترامب في جهود احتواء التصعيد مع بنيامين نتنياهو على الجبهة اللبنانية- مؤشرات واضحة على دخول الشرق الأوسط مرحلة إعادة صياغة لمعادلات القوة. هذه التحركات لا يمكن قراءتها كمجرد نشاط دبلوماسي اعتيادي، بل بوصفها تعبيراً ضمنياً عن تحوّل في ميزان الردع، حيث نجح الطرف الإيراني في تثبيت موقعه التفاوضي، مستفيداً من محدودية فاعلية الأدوات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية في تحقيق أهداف حاسمة خلال المواجهات الأخيرة.

 

يكشف المشهد الجيوسياسي الراهن عن حالة من “السيولة الاستراتيجية” داخل دوائر صنع القرار الأمريكي، تتجلى في تذبذب إدارة الأزمات المعقدة وتآكل تماسك التحالفات التقليدية. هذا التراجع النسبي في الفاعلية الأمريكية أفسح المجال لصعود نمط إقليمي أقرب إلى “تعدد الأقطاب”، تتقاسمه قوى رئيسية هي إيران وتركيا وإسرائيل، في ظل تنافس مفتوح على النفوذ وإعادة توزيع مناطق التأثير.

 

وفي المقابل، يتجلى التحدي الأكثر عمقاً في استمرار “الفراغ الاستراتيجي العربي”، حيث تفتقر الدول العربية إلى مشروع جامع ورؤية مستقلة قادرة على موازنة هذا التنافس. ونتيجة لذلك، تتجه العديد من العواصم إلى الاصطفاف ضمن محاور إقليمية، بما يعزز منطق التبعية ويضعف القدرة على التأثير في مسارات الصراع.

 

إن غياب اتفاق سياسي مستدام بين واشنطن وطهران يُبقي احتمالات التصعيد قائمة، سواء عبر مواجهات مباشرة محدودة أو من خلال حروب بالوكالة. وفي هذا السياق، تظل السياسات الإسرائيلية، خصوصاً ذات الطابع التوسعي والاستيطاني، عاملاً رئيسياً في تغذية التوتر، ما يرفع من احتمالات الانتقال إلى أنماط أكثر تعقيداً من الصراع، تشمل العمل الاستخباراتي والعمليات غير التقليدية.

 

أما الوجود العسكري الأمريكي، فعلى الرغم من الضغوط المتزايدة، يُرجّح استمراره ولكن بصيغة مختلفة؛ إذ يتحول تدريجياً من أداة هيمنة مباشرة إلى عنصر ضمن معادلة ردع متبادل، في ظل مراقبة إيرانية حثيثة، ما يفرض قيوداً جديدة على حركته وفاعليته.

 

لا يمكن فصل التحولات الجيوسياسية عن أبعادها الاقتصادية؛ إذ تسعى القوى الإقليمية إلى إعادة بناء قدراتها من خلال معالجة الاختلالات التي كشفتها الأزمات الأخيرة، سواء في البنية الاقتصادية أو في منظومات الأمن والاستقرار الداخلي. وتبرز هنا أهمية أدوات مثل الطاقة، وسلاسل الإمداد، والاستثمارات العابرة للحدود، كعناصر حاسمة في إعادة تشكيل النفوذ.

 

تشير المعطيات إلى أن المنطقة تتجه نحو مرحلة “إدارة الأزمات” بدلاً من تسويتها الجذرية، حيث تعمل الأطراف المختلفة على ترميم نقاط الضعف وسد الثغرات دون الدخول في تسويات نهائية. ويعكس ذلك إدراكاً ضمنياً بصعوبة تحقيق توازن مستقر في ظل تضارب المصالح الاستراتيجية والاقتصادية.

 

إن ما يشهده الشرق الأوسط اليوم ليس تحولاً نحو الاستقرار، بل إعادة إنتاج للأزمة بأدوات مختلفة. فاستراتيجية “ترحيل الأزمات” تظل الخيار الأكثر واقعية في بيئة إقليمية تتسم بعدم اليقين، وتنافس القوى، وغياب مشروع عربي قادر على إعادة صياغة التوازنات. وعليه، فإن الهدوء النسبي القائم لا يعدو كونه هدنة مؤقتة، قابلة للانفجار في أي لحظة، فوق أرضية من التوترات البنيوية غير المحسومة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.