مصير الليرة اللبنانية: قراءة في واقع العملة والاقتصاد في ظل الحرب

في ظل الأزمات المتلاحقة التي يواجهها لبنان، من اضطرابات أمنية وحرب مدمرة إلى انهيار اقتصادي ومالي غير مسبوق، يعود ملف الليرة اللبنانية إلى صدارة النقاش. إلّا أن هذا الحضور لم يعد كما في السابق، إذ فقدت العملة الوطنية جزءا كبيرا من دورها التقليدي، مع تحول الاقتصاد تدريجيا نحو الدولرة واعتماد الدولار كوسيلة أساسية للتسعير والتداول.

هذا الواقع يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى تأثر الليرة بالتطورات الراهنة، وما إذا كانت لا تزال تعكس حقيقة الوضع الاقتصادي في البلاد، أم أنها أصبحت هامشية في معادلة أوسع تحكمها العملات الأجنبية. كما يفتح الباب أمام نقاش أعمق حول قدرة الدولة على إدارة سعر الصرف، وحدود تدخّلها في ظل شحّ الدولار، إضافة إلى السيناريوهات المحتملة في حال تصاعد الضغوط على العملة الأجنبية.

الليرة اللبنانية خارج دائرة التأثير؟

تؤكد الباحثة في الاقتصاد النقدي الدكتورة ليال منصور، لصحيفة «اللواء»، أن «الليرة اللبنانية كانت منهارة أساسا وبشكل كبير، وأصبحت تشكّل جزءا ضئيلا من الكتلة النقدية في البلاد. وتشير إلى أنه لولا وصول الاقتصاد اللبناني إلى هذا المستوى المرتفع من «الدولرة»، حيث تتجاوز نسبتها 90%، لكان انهيار الليرة أكثر حدّة وبشكل خيالي».
وتضيف منصور: «العامل الذي يحافظ نسبيا على استقرار سعر الصرف في ظل الظروف الحالية، بما فيها تداعيات الحرب، هو أن الليرة لم تعد مطلوبة ولم تعد تعتمد كعملة رئيسية في التداول داخل البلاد. وعندما تصبح الليرة تمثل جزءا ضئيلا جدا من الكتلة النقدية، فإن تأثير تدهورها أو حتى انهيارها يبقى محدودا على مجمل الاقتصاد، نظرا لأن معظم التعاملات في لبنان باتت تعقد بالدولار، بما في ذلك جزء من الضرائب وبعض معاملات الدولة. بالتالي، فإن أي انخفاض إضافي في قيمة الليرة سينعكس بشكل أساسي على بعض جوانب القطاع العام، ولن يكون له الأثر الواسع نفسه الذي نشهده في دول أخرى تعتمد بشكل كامل على عملتها الوطنية».

قدرة الحكومة على ضبط الانهيار

وفي سياق متصل، ترى منصور أن «عندما تُجبر الحكومة اللبنانية على الدفع بالليرة، فإنها ستضطر إما إلى بيع الدولارات، أو استبدالها بالليرة، أو اللجوء إلى طباعة العملة المحلية مما سيؤدي الى انهيار إضافي في العملة المحلية. وطالما أن لديها إمكانية الوصول إلى الدولار سواء عبر الاحتياطات أو من خلال أي مساعدات خارجية يمكنها مواجهة هذه الأزمة من دون اللجوء إلى طباعة الليرة. وفي هذه الحالة، يتوقع ألا يشهد سعر صرف الليرة مزيدا من الانهيار».

هل ما زالت الليرة مرآة الاقتصاد؟

أمام كل تلك المعطيات، توضح منصور أنه «عادة ما تعكس العملة الوطنية قوة الاقتصاد وحجم النشاط التجاري ومستوى التعاملات. إلّا أن الواقع في لبنان مختلف اليوم، ففي ظل حرب شديدة، دمار واسع، نزوح كبير ومع تراجع دور الليرة لتصبح الجزء الأصغر من الكتلة النقدية، لم تعد هذه العملة قادرة على التعبير عن حقيقة الاقتصاد اللبناني. وعندما تكون العملة الوطنية مستخدمة فعليا على نطاق واسع، فإن أي تأثر بها ينعكس مباشرة على المؤشرات الاقتصادية. أما في الحالة اللبنانية، ومع تراجع دور الليرة وفقدانها لوظيفتها كعملة أساسية، لم يعد سعر صرفها يعكس بدقة قوة الاقتصاد أو ضعفه. لذلك، يصبح من الضروري الاعتماد على معايير أخرى لتقييم الوضع الاقتصادي، مثل حجم حاجة الدولة إلى المساعدات، وكلفة الخسائر، وأعباء التعويض وإعادة الإعمار، بدل الاكتفاء بمراقبة سعر الصرف كمؤشر رئيسي».

سيناريو الضغط على الدولار

من جهة أخرى، تعتبر أنه «يبقى هناك سيناريو أكثر صعوبة يجب أخذه في الاعتبار. فلبنان بلد يعتمد بشكل كبير على استيراد النفط، ما يعني ضرورة توفّر كتلة نقدية إضافية بالدولار، تتجاوز نسبة الـ40%، في حال بقي الطلب المحلي على حاله. في هذه الحالة، سيرتفع الضغط على الطلب على الدولار بشكل ملحوظ. وإذا لم تمتلك الدولة اللبنانية احتياطيات كافية من العملة الأجنبية، فقد تضطر إلى اللجوء لطباعة المزيد من الليرة لتلبية التزاماتها. وعندها، سيؤدي هذا المسار إلى زيادة الكتلة النقدية بالليرة من دون غطاء فعلي، ما يسرّع من تدهور قيمتها ويدفع نحو انهيار إضافي في سعر صرفها».

الدولرة الشاملة أو مجلس النقد: بين الحاجة والثقة

وهنا يبرز سؤال أساسي: هل لم يعد من الضروري الاتجاه نحو دولرة شاملة أو مجلس النقد؟ في هذا السياق، تختم الخبيرة أن «هذا الطرح غير دقيق، إذ إن الدولرة الشاملة أو مجلس النقد يبقيان خيارين محوريين، وليسا مجرد حل تقني لمشكلة العملة، بل أدوات ترتبط بشكل مباشر ببناء الثقة، سواء على المستوى الداخلي أو الدولي. فاعتماد أحدهما يعكس مستوى أعلى من المصداقية والاستقرار، وهو ما يشكل الحّل الجوهري الذي يحتاجه الاقتصاد اللبناني. إذ ان هذه الثقة تعدّ مدخلا أساسيا لإعادة هيكلة القطاع المصرفي بشكل فعلي، وفتح المجال أمام دخول مصارف جديدة إلى السوق، إضافة إلى تعزيز ثقة المجتمع الدولي في تحويل المساعدات والاستثمارات إلى لبنان».

Leave A Reply

Your email address will not be published.