العدوان أدّى الى زيادة الإنفاق وتراجع الإيرادات
مع اندلاع الحرب والضغوط الإقتصادية ، تعيش البلاد أشد ازماتها، إذ ان النفقات قد زادت بشكل كبير، في ظل تدهور الإيرادات وتراجعها في الخزينة اللبنانية ، حيث يفضل المواطنون تدبر امورهم المعيشية، بدلا من دفع الرسوم والضرائب . لذا كيف تتدبر الحكومة اللبنانية امورها في تلك الحالة ؟ وما هي الإجراءات المتخذه؟ علما ان وزير المالية ياسين حابر يصدر يوميا قرارات وتعاميم، لتحفيز المواطنين الى دفع ما يتوجب عليهم، مع تقسيط الغرامات في حال وجودها .
ومع استمرار الحرب في المنطقة ولبنان، يواجه لبنان تهديداً مباشراً لإيراداته العامة، وللفائض المالي الذي تحقق في السنوات الماضية، إذ قد تضطر الدولة لمواجهة أعباء إضافية، لا سيما تلك المتعلقة بإغاثة النازحين، ما يضع الاستدامة المالية التي بنيت بعناية خلال السنوات الاخيرة في مواجهة اختبار صعب.
وتشير الأرقام الرسمية إلى أنّ إجمالي الإيرادات المتوقعة في موازنة 2026 يبلغ حوالي 505.72 تريليون ليرة لبنانية، أي ما يعادل نحو 5.65 مليار دولار أميركي، بزيادة تقارب 13.6% عن إيرادات موازنة 2025. وتشكل الإيرادات الضريبية النسبة الأكبر من هذه الموازنة (حوالي 82.3%)، بينما تمثل الإيرادات غير الضريبية نحو 17.7% من الإجمالي.
خفض الإيرادات وارتفاع النفقات
الخبير المالي باتريك مارديني يحلل الواقع الإقتصادي، في ظل الظروف المفاجأة التي طرأت، والضغوط التي تحتم إعادة النظر بكل التوقعات على صعيد النمو في الإقتصاد. فكيف يُقيّم الواقع وتأثيره على الإقتصاد؟
يجيب مارديني “من المؤكد أنه خلال فترة الحرب تنخفض الإيرادات وترتفع النفقات، وبالتالي ان الموازنة التي سبق وتقدمت بها الحكومة ، وقد كانت نظريا متوازنة، من المحتمل حاليا أن تقع بشكل كبير تحت عجز. وهنا يبرز السؤال الأكبر بخصوص كيفية تمويل هذا العجز . انا اقول بأن كل شيء مرتبط أولا بمدة الحرب، فإذا انتهت سريعا فتأثيرها سيكون محدودا جدا، إذ رغم تأجيل الناس انفاقها فهي ستعود وتنفق مجددا، لكن سيوجد حتما تأثير على الحركة الإقتصادية وعلى ايرادات الدولة بشكل محدود، واذا امتدت فترة الحرب لوقت طويل حتى الصيف ومات الموسم السياحي، فالتأثير سيكون مضرا جدا على الإقتصاد اللبناني”.
اضاف : “انا اركز هنا على الإقتصاد اللبناني، لأن الإيرادات الحكومية تتأثر بحركة الإقتصاد، اي بعمل الشركات وما تحققه من مدخول، وكذلك ما يحققه الناس أيضا على هذا الصعيد، والدولة بالنتيجة تجبي جزءا من الأموال هذه . وعندما يكون لدينا اقتصاد كبير، من الطبيعي أنه ستجني الدولة ايرادات أعلى ، وقد كنا نتوقع قبل وقوع الحرب بأن ينمو الإقتصاد بمعدل ٤ او ٥% في العام ٢٠٢٦ ، لذا سنعيد الآن النظر بالتوقعات المرتبطة بمدى استمرار الحرب”.
واكد أن هذه الحرب “ستؤدي إلى تخفيض الحركة الإقتصادية، إذ سيخف الإستثمار، بالإضافة إلى أن الحركة الإقتصادية في الجنوب والبقاع والضاحية شبه متوقفة او بشكل كلي، أن بالزراعة او الخدمات وغيرها . فاذا استمرت الحرب حتى الصيف ، ستتوقف الحركة الاقتصاديه ، وتنخفض بالنتيجة ايرادات الدولة بشكل كبير” .
مصير زيادة الاجور والرواتب
*ما هو الموضوع الآخر الذي يشكل خطورة أيضا على الإقتصاد؟
– أن النفقات هي العامل الذي يشكل خطورة كبرى، فالمعروف أنه خلال الحرب تزيد النفقات. ففي موازنة ٢٠٢٦ تم زيادة اعتمادات مجلس الإنماء والأعمار بشكل كبير جدا، وهذا يعني وجود أموال مرصودة لمعالجة تداعيات الحرب، لكن تبقى المخاطر بامكانية زيادة الإنفاق ، واذا حدث ذلك فلدينا عندها مشكلة عجز بشكل أكبر، بسبب زيادة الأجور والرواتب التي اعتمدتها الحكومة مؤخرا ، وأنا اعتقد أن ذلك تم بشكل غير مدروس، وقد ارفقوها بزيادات ضريبيه، واليوم بسبب الحرب الدائرة لا أظن أنه سيكون لدى الحكومة ايرادات كافيه لتمويل هذه الزيادة على الرواتب، مما سيخلق مشكلة كبرى.
* من أين سيأتي التمويل؟
– تاريخيا ، كانت الدولة تتمول من المصارف او تستدين من الأسواق العالمية، وهذا غير ممكن حاليا لأن الدولة تخلفت عن سداد اليوروبوندز، وهي أيضا لا تستطيع الاستدانه من المصارف اللبنانيه بسبب ازمتها المالية، والمكان الوحيد الذي باستطاعة الدولة اللجوء اليه هو مصرف لبنان. والحكومة لديها حساب خاص بمصرف لبنان، لكن يجب الأخذ منه بحذر.
* لماذا؟
– أولا الرقم الموجود في هذا الحساب مضخم قليلا، لأن الأموال الموجودة هي ما بين لولار ودولار . يوجد جزء من المال بالدولار الفريش، لكن إذا بدأت الحكومة بالصرف من هذه الأموال، سنرى بالدرجة الأولى انخفاضا باحتياطي العملات الأجنبية في مصرف لبنان، وعودة الضغوط التضخمية، اي يوجد احتمال بتشكيل خطر على الليرة اللبنانيه، ولهذا على الحكومة أن تكون حذرة جدا باستخدام الأموال الموجودة في هذا الحساب .
انا اعتقد بأن افضل شيء باستطاعتنا القيام به، هو استعمال جزء من أموال هذا الحساب في إعادة هيكلة القطاع المصرفي، لتسديد أموال المودعين. وللحقيقة أن الحكومة كانت ستذهب إلى هذا الإتجاه في قانون الفجوة الذي اقرته، والآن اذا أرادت التصرف بهذا المال لتمويل العجز جراء الحرب، فهي بذلك تستولي على المزيد من أموال المودعين أولا ، وثانيا هي تزيد الضغوط التضخمية على لبنان وهو بغنى عنها.