سوق بعلبك بين الخوف والخسارة

قبل أيام قليلة من حلول العيد، كان من المفترض أن تبدأ الأسواق في البقاع عمومًا وبعلبك خصوصًا استعادة نبضها المعتاد. فالأعياد لطالما شكّلت موسمًا ينتظره التجار وأصحاب المحال بشيء من الأمل، بعد أشهر طويلة من الركود الاقتصادي. هي الفترة التي تتحرك فيها الأسواق، وتزداد حركة الناس، ويعوض فيها كثير من التجار جزءًا من خسائر العام. لكن الحرب الأخيرة قلبت كل تلك التوقعات رأسًا على عقب، وحوّلت موسم العيد المنتظر إلى فترة قلق وخسارة.
في السوق التجاري في بعلبك تبدو الصورة مختلفة تمامًا هذا العام، فبدلًا من الازدحام الذي كان يملأ الشوارع قبل العيد بأيام، يسود هدوء ثقيل يختلط بصوت الطيران الحربي والإنذارات المتكررة. الأولويات لدى الناس تغيّرت بشكل كامل، فشراء الملابس أو مستلزمات العيد لم يعد في صدارة الاهتمامات. كثيرٌ من العائلات التي تعيش في البلدات التي تلقت تهديدات مباشرة فضلت النزوح إلى أماكن أكثر أمنًا، فيما بقي آخرون في منازلهم منشغلين بتأمين أساسيات الحياة اليومية في ظل قناعة متزايدة بأن الحرب قد تطول.

هذا الواقع انعكس مباشرة على الحركة التجارية، فعدد كبير من التجار كانوا قد استعدوا لموسم العيد منذ الأيام الأولى من شهر رمضان، فقاموا بشراء البضائع الجديدة ودفعوا أثمانها إضافة إلى تكاليف الشحن، على أمل بيعها خلال الفترة التي تسبق العيد، لكن وصول هذه البضائع تزامن مع اندلاع الحرب، ما وضعهم أمام خسارة قاسية، إذ بقي معظم السلع على الرفوف في ظل حركة شراء شبه معدومة.
ولعل المشهد الأوضح لهذا التحول يظهر في ساعات الليل، ففي السنوات الماضية، كان السوق التجاري في بعلبك يفتح أبوابه ليلًا حتى ساعات متأخرة قبل العيد بأكثر من عشرة أيام، حيث كانت الحركة تبلغ ذروتها بعد الإفطار. أما اليوم فلا تفتح بعد الإفطار إلا قلة قليلة من المحال، فيما يفضل معظم التجار إقفال متاجرهم باكرًا، فالناس باتوا يتحركون بحذر، وكثيرون لا يغادرون منازلهم بعد الإفطار إلا للضرورة.
أحد التجار في السوق وصف الحال قائلًا: كنا ننتظر موسم العيد لنلتقط أنفاسنا بعد سنة صعبة، لكن الحرب سبقت العيد وأخذت معها كل شيء. البضائع موجودة لكن الناس تفكر بالأمان والطعام قبل أي شيء آخر، هذا الموسم كان يفترض أن يعوّض جزءًا من خسائرنا، لكننا اليوم نخشى أن نخرج منه بخسارة أكبر، وحتى من يزور السوق يأتي ليتفقد الوضع فقط، لا أحد يشتري كما في السنوات الماضية.
لم تكتفِ الحرب بإرباك حياة الناس اليومية، بل سرقت أيضًا فرحة العيد من الأطفال والكبار على حد سواء، وحوّلت الأيام التي كانت تُنتظر بلهفة إلى أيام ثقيلة يسودها الترقب والخوف، فيما يبقى الأمل الوحيد أن تمر هذه المرحلة بأقل خسائر ممكنة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.