ملف النفط والغاز اللبناني أمام المخاطر الإقليمية المتصاعدة، والفرص الاستراتيجية

يشهد لبنان مرحلة حسّاسة في ملف النفط والغاز، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التطورات الجيوسياسية الإقليمية، الحرب القائمة والصراعات المحيطة. على الرغم من نتائج الاستكشاف الأولية المخيّبة للآمال، لا يزال القطاع يحمل إمكانات استراتيجية كبيرة يمكن أن تغير خارطة الطاقة في البلاد. إلّا أن الحرب القائمة في الشرق الأوسط وزيادة المخاطر الأمنية تؤثر بشكل مباشر على نشاط الشركات المستثمرة، وتضع الاتفاقيات الدولية والبلوكات الاستكشافية تحت ضغط مستمر.

مع ذلك، يبقى الموقع الجغرافي للبنان وموارده المحتملة محط اهتمام عالمي، ما يجعل الاستثمار في القطاع رهانا طويل الأمد.
من حفر الآبار إلى توقيع اتفاقيات الاستكشاف الجديدة، يبرز الملف اللبناني على أنه مزيج من التحديات والفرص التي تتقاطع عند المستويات الجيولوجية والجيوسياسية والمؤسساتية.
في هذا السياق، من الضروري فهم المشهد الحالي للغاز والنفط اللبناني عبر دراسة دقيقة لهذه المستويات الثلاثة المترابطة، لتقييم مستقبل القطاع في ظل الأوضاع الإقليمية المعقّدة.
استكشافات محدودة وآمال مؤجلة
على ضوء التطورات الجيوسياسية المتسارعة والحرب القائمة في الشرق الأوسط، تقول الخبيرة في شؤون حوكمة الطاقة ديانا القيسي لصحيفة «اللواء» إنه «يبدو أن ملف النفط والغاز في لبنان يمر بمرحلة مفصلية، يتأرجح فيها بين الجمود والفرص المؤجلة التي قد تتبلور في المستقبل، تبعا لنتائج هذه الحرب وتداعياتها على المنطقة».
وتتابع: «لفهم المشهد العام لهذا الملف، لا بد من دراسته على ثلاثة مستويات مترابطة: المستوى الجيولوجي – الاقتصادي، والمستوى الجيوسياسي، والمستوى المؤسساتي الداخلي. فإذا بدأنا بالمستوى الجيولوجي – الاقتصادي، يتبيّن أن لبنان حفر بئرا استكشافيا في حقل قانا ضمن البلوك رقم 9، إلّا أن النتائج لم تظهر كميات تجارية من الغاز. وفي الوقت نفسه، جرى التخلّي عن البلوك رقم 4 بعد انتهاء فترة الاستكشاف، لعدم العثور على كميات من الغاز. وفي مطلع عام 2026، عاد هذا الملف ليشهد بعض الحيوية، بعد توقيع اتفاقية استكشاف بين وزارة الطاقة في لبنان وشركة قطر إنرجي على البلوك رقم 8، الواقع قبالة السواحل اللبنانية الجنوبية. وينص الاتفاق على إجراء مسح ثلاثي الأبعاد على مساحة تقارب 1200 كيلومتر مربع، بهدف تقييم الإمكانات الغازية في هذه المنطقة».

تداعيات الحرب
في سياق آخر، تشرح القيسي أنه «قبل اندلاع الحرب الحالية، كان الواقع يشير إلى أن لبنان يمرّ بمرحلة تقييم جيولوجي، وذلك بعد خوض أول تجربة استكشاف لم تسفر عن نتائج ناجحة. أما تأثير الحرب الإقليمية الحالية على ملف الغاز فينعكس على مستويات متعددة. أولا، على صعيد المخاطر الجيوسياسية التي شهدت ارتفاعا ملحوظا، وهو ما يفرض التركيز على مجموعة من العوامل الأساسية، أبرزها أمن البنى التحتية البحرية، واستقرار الحدود، إضافة إلى مختلف المخاطر المرتبطة بالحرب وتداعياتها، معتبرة أنه الجدير بالذكر أن هذه الشروط والعوامل لا تبدو متوافرة في المرحلة الراهنة».
الاستكشاف بين التعليق والترقّب
أمام كل تلك المعطيات، توضح القيسي أن «الحرب والتصعيد على الحدود الجنوبية أدّيا إلى تعليق نشاط شركات الطاقة المستثمرة في لبنان، ما انعكس بطبيعة الحال على توقف عمليات الاستكشاف. في المقابل، لم تنسحب هذه الشركات من لبنان حتى الآن، ولا يزال التواصل معها قائما عبر وزارة الطاقة. كما أن الاستثمار في البلوك رقم 8 ما زال مستمرا، وهو ما يعكس أن هذه الشركات تعتمد رهانا طويل الأمد على احتمالات وجود الغاز في لبنان».
الترسيم والحرب
وفي سياق آخر، ترى القيسي أن «ملف النفط والغاز يرتبط بشكل وثيق بالصراع اللبناني – الإسرائيلي. ويعدّ اتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022 نقطة تحول، إذ أنهى النزاع حول الحدود البحرية الجنوبية. إلّا أنّ هذا الاتفاق، على الرغم من توقيعه آنذاك، يبقى هشا في ظل الحرب القائمة وتداعياتها، كونه مرتبطا بشكل أساسي بالاستقرار الأمني. فأي حرب واسعة قد تؤدي إلى تعليق الأعمال الاستكشافية في لبنان، كما قد تعطل عمليات الإنتاج لدى الجانب الإسرائيلي وتجمد الاستثمارات في هذا القطاع».
فرص استراتيجية
وفي خلاصة الأمر، وعلى الرغم من الجمود الحالي، تعتبر القيسي أن «ملف النفط والغاز في لبنان يبقى محفوفا بالفرص الاستراتيجية. فالموقع الجيولوجي للبنان لا يتغيّر، ويقدّر وجود حوالي 120 تريليون قدم مكعب من الغاز في المنطقة. كما وأنه يظل الاهتمام الدولي بالقطاع واضحا، حيث تؤكد الشركات الكبرى العاملة في لبنان أن البلاد لا تزال على خارطة الاستثمار الطاقوي. كما أن ربط لبنان بممرات الطاقة الإقليمية في حال وجود اكتشافات له يعد ذا أهمية كبيرة».
وتختم: «بالطبع، لا تزال هناك تحديات بنيوية داخلية، إلّا أن البيئة الإقليمية والدولية أصبحت أكثر حاضنة لإمكانية تجاوز هذه النقاط».
Leave A Reply

Your email address will not be published.