نزوح بلا ملاجئ وخطط طوارئ غائبة
مع كل عدوان يشنه العدو الإسرائيلي على لبنان يتكرر المشهد ذاته عائلات تحمل ما تيسر لها من حاجيات، أطفال وكبار في السن يفترشون أرض المدارس والقاعات العامة وآخرون يمضون لياليهم في السيارات أو على جوانب الطرقات بانتظار مكان آمن، فيما تجد البلديات والجمعيات نفسها في مواجهة موجات نزوح مفاجئة تحاول إدارتها بإمكانات محدودة وإجراءات غالبا ما تكون ارتجالية وغالبا ما تواجه البلديات والمجتمعات المضيفة تحديات كبيرة تتعلق بالاكتظاظ في مراكز الإيواء ونقص الغذاء والمياه والخدمات الصحية، إضافة إلى الضغط المتزايد على البنى التحتية والخدمات العامة، ما يدفع الجمعيات الأهلية والمنظمات الإنسانية إلى لعب دور أساسي في سد الفراغ الذي تتركه الدولة.
غياب منظومة واضحة لحماية المدنيين
هذا الواقع يطرح سؤالا أساسيا لماذا لا يمتلك لبنان حتى اليوم منظومة واضحة للملاجئ وخطط طوارئ فعالة لحماية المدنيين رغم التجارب التي عاشها خلال الحروب المتعاقبة، فعند كل تصعيد عسكري تتجه آلاف العائلات إلى النزوح من المناطق الحدودية أو المستهدفة نحو مناطق أكثر أمنا.
فعلى خلاف العديد من الدول التي تعيش في مناطق نزاع أو توتر أمني لا يمتلك لبنان شبكة ملاجئ عامة مخصصة لحماية المدنيين في حالات الحرب فمعظم الأبنية السكنية تفتقر إلى ملاجئ مجهزة كما أن القوانين التي كانت تلزم بعض المباني بإنشاء ملاجئ لم تعد تطبق بفعالية فيما تحولت العديد من هذه المساحات إلى مستودعات أو مواقف سيارات.
البنى التحتية والخدمات الأساسية تحت الضغط
ويشير خبراء في إدارة الكوارث إلى أن الملاجئ لا تقتصر أهميتها على الحروب فقط بل تشكل جزءا أساسيا من منظومة الحماية المدنية التي تشمل أيضا الزلازل والكوارث الطبيعية إلا أن هذا الملف بقي مهملا لسنوات طويلة في ظل غياب رؤية وطنية متكاملة لإدارة المخاطر.
الكارثة الإنسانية بالارقام
ووفق تقارير الأمم المتحدة والهيئات الإنسانية تجاوز عدد النازحين داخليا 600 ألف شخص منذ تشرين الأول 2023 بينهم مئات آلاف الأطفال، فيما لجأ نحو 180 ألف شخص إلى ما يقارب 978 مركز إيواء جماعيا معظمها مدارس رسمية تحولت إلى ملاجئ مؤقتة، كما أشارت تقارير إلى أن أكثر من 775 مركز إيواء وصلت إلى أقصى طاقتها الاستيعابية خلال ذروة التصعيد.
وفي ذروة العدوان في أيلول 2024 وحده، سجلت الأمم المتحدة أكثر من 200 ألف نازح خلال أيام قليلة فقط فيما تم فتح مئات المدارس كمراكز إيواء طارئة لاستيعاب عشرات آلاف العائلات التي فرت من الجنوب والبقاع، وتشير تقارير إنسانية أخرى إلى أن أكثر من 185 ألف شخص لجأوا إلى ما يزيد على ألف مركز إيواء في مختلف المناطق اللبنانية، بينما أُغلقت مئات المدارس وتحولت إلى مراكز لإيواء النازحين، ما أدى إلى تعطيل العملية التعليمية لمئات آلاف الطلاب.
أما على المستوى الأوسع، فقد قدر أن أكثر من مليون شخص اضطروا للنزوح خلال فترة التصعيد بين أيلول وتشرين الثاني 2024، لجأ معظمهم إلى منازل الأقارب أو استأجروا مساكن مؤقتة على نفقتهم الخاصة بسبب عدم كفاية مراكز الإيواء الرسمية.
ومع تجدد العدوان الهمجي بدأت المؤشرات تتجه إلى تكرار السيناريو نفسه فخلال الأيام الأولى من الحرب التدميرية الإسرائيلية تجاوز عدد النازحين 83 ألف شخص في مختلف المناطق اللبنانية، وبحسب مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين 30 ألف نازح لجأوا إلى مراكز إيواء في حين أعلن وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار أن عدد النازحين في محافظة جبل لبنان بلغ 16 ألفاً.
ويقول محمد شمس الدين الباحث في الدولية للمعلومات “إن للبقاع الحصة الأقل هذه المرة” مضيفا “الأعداد أقل من الفترة نفسها في الحرب الماضية وكان بلغ 420 ألف شخص، لأن أبناء قرى الحافة الأمامية لا يزالون خارج قراهم منذ ذلك الوقت فقد خسروا بيوتهم وأرزاقهم ولم تتوفر لهم مقومات العودة والحياة”.
تعكس هذه الأرقام حجم التحدي الذي يواجهه لبنان في إدارة النزوح الداخلي خلال الأزمات فالتجارب المتكررة أظهرت أن المدارس والقاعات العامة تتحول سريعاً إلى مراكز إيواء مؤقتة، في غياب بنية تحتية مخصصة لهذا الغرض، ما ينعكس اكتظاظا ونقصا في الخدمات الأساسية.
الدولة والمنظمات في مواجهة فوضوية
ورغم وجود مؤسسات رسمية معنية بإدارة الكوارث مثل المجلس الأعلى للدفاع والهيئة العليا للإغاثة يؤكد ناشطون في العمل الإنساني أن “الاستجابة في لبنان لا تزال تعتمد في كثير من الأحيان على ردود الفعل الطارئة بدلا من التخطيط الاستباقي كما يعاني التنسيق بين المؤسسات الرسمية والبلديات والمنظمات الإنسانية من ثغرات عديدة ما ينعكس أحياناً فوضى في إدارة مراكز الإيواء أو توزيع المساعدات”.