هاجس تأمين الدواء… قلقٌ أكبر من الحرب وأقسى من المرض

في أيام السلم كما في الحرب، بات تأمين الدواء معركةً صامتة يخوضها المرضى كل يوم.

في إحدى صيدليات بيروت، وقف هيثم ن. (61 عامًا) أمام الصيدلي يسأله عن دوائه المخصّص لعلاج السرطان. كان يحمل وصفته الطبية بيدٍ ترتجف، آملًا في أن يجد العلبة التي اعتادها منذ أشهر. إلّا أن الجواب جاء صادمًا: الدواء مفقود.

تنقل بين أكثر من صيدلية في المنطقة من دون جدوى، قبل أن يُضطر إلى شراء دواء بديل قيل له إنه يؤدّي الغرض نفسه لكن جسده لم يتجاوب معه كما يجب، وتراجعت حالته الصحية تدريجيًا، ليكتشف أنه كان ضحية “هيدا بيمشي حالو” الذي لم يكن فعّالًا بما يكفي لحالته الدقيقة.

يشكّل هيثم حالة من مئات الحالات في لبنان، وتجسيدًا لواقع قاسٍ يعيشه آلاف المرضى. خلف أبواب الصيدليات، تتكرّر مشاهد القلق والانكسار ذاتها: مرضى أنهكتهم الأمراض المزمنة، يطاردون علبة دواء قد تعني لهم فرصة جديدة للحياة. يتحوّل العلاج من حق بديهي إلى معركة يومية، ومن مسألة طبية إلى عبء نفسي ومالي ثقيل.

في هذا الواقع المرير، لا يواجه المرضى ألم المرض وحده، بل يواجهون أيضًا خوف الانقطاع عن العلاج، وقلق التجربة القسرية لبدائل غير مضمونة، ومرارة الشعور بأن حياتهم باتت رهينة أزمة تتجاوز قدرتهم. إنها مأساة إنسانية صامتة، عنوانها دواء مفقود، وكرامة مريض معلّقة بين الرفوف الفارغة.

وفي هذا السياق، يعلّق الرئيس السابق للجمعية اللبنانية للأمراض المعدية والجرثومية الدكتور زاهي الحلو: “تُعدّ أزمة فقدان الأدوية في لبنان، ولا سيّما أدوية الأمراض المزمنة، من أخطر التحدّيات الصحية التي يواجهها المواطنون اليوم. هناك دول عدة تعاني من مشكلات مماثلة، لكن الفارق يكمن في قدرة تلك الدول على احتواء الأزمة عبر سياسات دعم واضحة وتمويل مستدام للقطاع الصحي”، لافتًا إلى أن المشكلة تتفاقم نتيجة غياب التخطيط السليم، وضعف الرقابة، وعدم تخصيص السقوف المالية الكافية لاستيراد الأدوية الأساسية.

ويعزو الحلو في حديث لـ “نداء الوطن” ازدياد حدّة الأزمة إلى الانهيار الاقتصادي الذي بدأ عام 2019، حين دخلت البلاد في دوّامة مالية غير مسبوقة، تراجعت معها قيمة العملة الوطنية، واحتُجزت أموال المودعين في المصارف، وأقفلت شركات عالمية عدة مكاتبها في السوق اللبنانية، مؤكدًا أن هذا الواقع انعكس مباشرة على سوق الدواء، فارتفعت الأسعار بشكل كبير، وتراجعت قدرة الصيدليات على تأمين أصناف حيوية، خصوصًا تلك المرتبطة بعلاج أمراض خطيرة مثل السرطان، وأمراض القلب، والسكري، والضغط، وأمراض المناعة.

ففي دراسة وطنية استقصائية أعدّها صيادلة ونشرت في 10 آذار 2025، وحملت عنوان “تصوّرات ومواقف وتجارب صيادلة المستشفيات العاملين في القطاع الخاص في ما يتعلق بنقص الأدوية في لبنان: دراسة وطنية شاملة”، تبيّن أن الأزمة مرتبطة بشكل أساسي بالأزمة الاقتصادية وجودة الأدوية وارتفاع تكاليفها، واقترحت الدراسة استخدام بدائل أو تخفيضات جرعات كحلول عملية.

وتستعرض دراسة أخرى حملت عنوان “وصفة للأزمة: التأثير المضاعف لنقص الأدوية المجتمعية على نظام الرعاية الصحية في لبنان” وأعدّها باحثون لبنانيون، صادرة في 12 أيلول 2024 ، كيف أدّى نقص الأدوية في الصيدليات إلى أضرار متصاعدة داخل النظام الصحي، من ضعف تقديم الرعاية إلى إطالة مدد البقاء في المستشفيات، واقترحت حلولًا لتعزيز صمود المنظومة الصحية.

أمّا الدراسة الثالثة، والتي جاءت تحت عنوان “الكشف عن الخسائر الخفية: استكشاف تأثير الأزمة الاقتصادية اللبنانية على سلوكيات التماس الرعاية الصحية لدى عينة من مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم” والمنشورة في 27 شباط 2024، فبحثت في تأثير الأزمة الاقتصادية ونقص الدواء على سلوك المرضى المصابين بالسكري والضغط، وكشفت عن اعتماد المرضى على بدائل مختلفة وشبكات خارجية للحصول على أدوية لهم، مع مستويات عالية من التوتر النفسي نتيجة النقص.

تتقاطع نتائج هذه الدراسات مع ما يشير إليه الحلو إلى أنه مع “انسحاب عدد من شركات الأدوية الكبرى بعد الأزمة الاقتصادية عام 2019، برزت ظواهر خطيرة تمثلت في انتشار السوق السوداء، ودخول أدوية مهرّبة أو مستوردة بطرق غير نظامية، إضافة إلى طرح بدائل دوائية متفاوتة الفعالية والجودة”، مستدركًا أن المشكلة لا تقتصر على مسألة التوافر فحسب، بل تمتدّ إلى القدرة الشرائية؛ فحتى عندما يتوافر الدواء الفعّال، يعجز كثير من المرضى عن تحمّل كلفته الباهظة في ظلّ تآكل مداخيلهم.

أمام هذا الواقع المقلق، يدعو الحلو إلى ضرورة تدخل وزارة الصحة بشكل مباشر لتأمين الأدوية المفقودة مركزيًا، واعتماد آلية شفافة لتوزيعها على المرضى الأكثر حاجة. كما يتطلب الأمر رصد موازنات كافية ومستدامة لدعم هذه الأدوية، بما يخفف الأعباء عن المواطنين ويعيد قدرًا من الاستقرار إلى القطاع الصحي وفق تعبيره.

وفي الختام، يظهر أن أزمة الأدوية المخصصة للأمراض المزمنة في لبنان ليست ظرفًا عابرًا، وإنما ظاهرة معقدة ذات أبعاد اقتصادية وصحية ونفسية تؤثر بشكل مباشر على المرضى ورفاههم، ولا تزال تفتقد إلى رؤية تحليلية للواقع بأرقامه ونسبه، للخروج بحلول مستدامة. فعلى سبيل المثال، أشارت دراسة تحليلية واسعة نشرت في مجلة The Lancet إلى أن لبنان سجل أعلى ارتفاع في معدلات الإصابة والوفيات بمرض السرطان في العالم بين عامي 1990 و 2023 مقارنة بــ 204 دول، وارتفعت الحالات الجديدة بنسبة 162 % والوفيات بنسبة 80 % في تلك الفترة…

إن مرضى الأمراض المزمنة يدفعون يوميًا ثمن غياب التخطيط والاستقرار في السياسات الدوائية، ويتخبطون بين دواء مفقود وأسعار مرتفعة (إن وجد)، هنا تتراجع الثقة بالنظام الصحي وتتعمّق معاناة الفئات الأكثر هشاشة.

إن معالجة هذا الملف تتطلّب إرادة سياسية واضحة، وتمويلًا مستدامًا، وآليات رقابة شفافة تضمن العدالة في التوزيع. فالدواء هو حق من حقوق المريض على أمل أن تنفرج هذه الأزمة ونخرج من دوّامة “الدواء المفقود”.

Leave A Reply

Your email address will not be published.