من سرق 24 مليار دولار في لبنان؟
لم يعد ملف الكهرباء في لبنان مادة سجال سياسي أو خلافًا في وجهات النظر، بل بات ملفًا ماليًا وقضائيًا مكتمل العناصر، تتقاطع فيه الوقائع بالأرقام، والمسؤوليات بالقرارات، ويجعل من أي محاولة للالتفاف عليه شكلًا من أشكال التواطؤ مع الهدر والفساد. ما جرى في قطاع الطاقة خلال السنوات الماضية لا يمكن تفسيره بسوء إدارة عابر أو ظروف قاهرة، بل يرقى إلى مستوى الهدر الجسيم للمال العام، المقرون بتضليل ممنهج للرأي العام وتعطيل متعمّد لآليات المحاسبة.
منذ العام 2009، ومع تولّي وزراء محسوبين بغالبيتهم الساحقة على “التيار الوطني الحر” وزارة الطاقة والمياه، بات هذا القطاع ممسوكًا سياسيًا وإداريًا بيد فريق واحد، في مرحلة كانت فيها الصلاحيات متوافرة، والقرارات الحكومية قائمة، وسلفات الخزينة تُقرّ تباعًا. ورغم ذلك، لم تتحقق أي من الوعود التي أُطلقت على مدى سنوات، من كهرباء 24/24 إلى بناء معامل إنتاج حديثة أو تحديث الشبكات أو خفض الهدر. ما تحقق فعليًا كان تضخمًا في العجز، واستمرارًا في الانقطاع، واستنزافًا غير مسبوق للمال العام.
وبحسب معطيات موثقة صادرة عن مصرف لبنان وتقارير رسمية متداولة، فإن ما يقارب 24 مليار دولار أميركي أُنفقت على قطاع الكهرباء خلال الحقبة التي كانت فيها وزارة الطاقة ممسوكة سياسيًا من وزراء “التيار”. هذا الرقم ليس تقديرًا إعلاميًا ولا مادة للمزايدة، بل معطى مالي ثابت يشكّل بحدّ ذاته قرينة خطيرة على حجم الهدر وسوء الإدارة.
إن إنفاق هذا الحجم من المال العام من دون تحقيق الهدف الأساسي، يُسقط أي ادعاء بالبراءة أو الاستهداف السياسي.
فالمال العام، وفق أبسط مبادئ المحاسبة، لا يُقاس بالنوايا بل بالنتائج، والجهة التي تولّت القرار والإنفاق تتحمّل كامل المسؤولية السياسية والمالية عن مآلاته. ولا يمكن، منطقيًا أو قانونيًا، تحميل مسؤولية هذا المسار لجهات لم تكن صاحبة القرار في تلك المرحلة.
ويأتي ملف استئجار بواخر توليد الكهرباء ليشكّل نموذجًا فاضحًا على إدارة الفشل كسياسة عامة. ما قُدّم للرأي العام كحلّ موقت تحوّل إلى خيار دائم عالي الكلفة، مع تمديد متكرر للعقود، ومن دون أي خطة انتقالية جدّية نحو إنتاج ثابت ومستدام على البرّ.
حين يتحوّل الحل الموقت إلى نمط دائم، تصبح الشبهة مشروعة، ويصبح السؤال عن المستفيد واجبًا
ثم انفجر ملف استئجار البواخر والفيول غير المطابق للمواصفات عام 2020، كإحدى أخطر القضايا التي طاولت قطاع الطاقة. هذا الملف موثق قضائيًا، وقد تولّى التحقيق فيه النائب العام المالي آنذاك القاضي علي إبراهيم، وأدّى إلى توقيفات وادعاءات بحق موظفين ووسطاء وشركات، مع الاشتباه بتزوير تقارير فحص ومختبرات. الفيول المغشوش ألحق أضرارًا تقنية بالمعامل، وخفض الإنتاج، وكبّد الدولة خسائر إضافية، لكن الأخطر أن هذا المسار لم يُستكمل حتى نهايته.
التوقف عند الحلقات الأضعف لا يصنع عدالة، بل يكرّس الإفلات من العقاب
ولا يمكن فصل كل ما سبق عن تعطيل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، رغم النصوص القانونية الواضحة التي تجعل من وجودها شرطًا أساسيًا للشفافية والرقابة. هذا التعطيل لم يكن تفصيلًا إداريًا، بل قرارًا سياسيًا واعيًا أدّى إلى تركيز القرار بيد الوزير وإضعاف أي مساءلة مستقلة.
تعطيل الرقابة ليس صدفة، بل شرط مسبق لاستمرار الهدر
الأخطر من الفشل نفسه كان التكاذب السياسي الذي رافق هذا الملف. فبدل تحمّل المسؤولية السياسية عن إدارة وزارة الطاقة لسنوات طويلة، لجأ “التيار الوطني الحر” إلى تضليل الرأي العام عبر تبديل الروايات، وتحميل الآخرين المسؤولية، وادّعاء العرقلة. واليوم، ومع تسلّم الوزير جو صدّي وزارة الطاقة، يحاول “التيار” نفسه تزوير الوقائع وتحميله، ومن خلفه “القوات اللبنانية”، مسؤولية تراكمات موثقة ماليًا وزمنيًا تعود إلى أكثر من عقد، في خطاب شعبوي فجّ لا يمكن فصله عن الحسابات الانتخابية.
من أمسك بالوزارة وأنفق المليارات لا يحق له أن يتقمّص دور الضحية
من زاوية قانونية بحتة، لا يمكن تحميل وزير جديد مسؤولية مسار طويل من القرارات والإنفاقات السابقة، كما لا يمكن القفز فوق مبدأ تسلسل المسؤوليات. إن محاولة قلب الأدوار بهذه الطريقة لا تشكّل فقط تضليلًا للرأي العام، بل قد ترقى إلى عرقلة غير مباشرة لمسار المحاسبة.
وانطلاقًا من هذه الوقائع، يصبح من الضروري توجيه دعوة واضحة وصريحة إلى النيابة العامة المالية لإعادة فتح ملف وزارة الطاقة والكهرباء، استنادًا إلى المعطيات المالية الثابتة، وفي مقدّمها حجم الأموال التي أُنفقت من دون تحقيق النتائج المرجوّة. إن إعادة فتح هذا الملف ليست خيارًا سياسيًا، بل واجب قانوني وأخلاقي، لأن المال العام لا يسقط بالتقادم، ولأن العدالة لا تُجزأ.
أما الوزير صدّي، فمسؤوليته التاريخية تكمن في فتح الملف كاملًا، والتعاون الكامل مع القضاء، وإحالة كل ما يتكشف من معطيات إلى الجهات المختصة، ومصارحة اللبنانيين بالحقيقة كاملة. فهذا هو المدخل الوحيد لاستعادة الثقة، ووضع حدّ لمنظومة الإفلات من العقاب.
المحاسبة ليست خيارًا، بل شرط للبقاء كدولة
في الخلاصة، ليست القضية رقمًا يتكرر ولا شعارًا يُرفع، بل مسار كامل من القرارات الخاطئة والهدر والتضليل. إن ما صُرف على قطاع الكهرباء كان كافيًا لإخراج لبنان من العتمة، لكن العتمة كانت خيارًا سياسيًا لا نتيجة حتمية.
وإلى كل من تجرأ ومدّ يده ونهب المال العام، أو سرق وخدع الدولة والمواطنين هذه رسالة تحذير صارمة لن يفلت أحد من المحاسبة، ومن واجب الدولة بمؤسساتها المسؤولة الكبرى أن تلاحق كل من تورط في هذا الهدر الكبير. العدالة ستتحقق، ولن تمرّ أي خيانة أو فساد من دون عواقب قانونية.
حين تُهدر المليارات وتبقى الدولة في الظلام، فالمشكلة ليست تقنية… بل أخلاقية وسياسية بامتياز.