تحالف «أوبك+» أمام تحديات إدارة التوازن بين الإنتاج والأسعار

اتفق تحالف «أوبك+»، أخيراً، على زيادة إنتاج النفط بمقدار 547 ألف برميل يوميا في سبتمبر المقبل، وهي الزيادة الأحدث في سلسلة من الزيادات المتسارعة في الإنتاج، لاستعادة الحصة السوقية، مع تزايد المخاوف إزاء تعطُّل محتمل للإمدادات مرتبط بروسيا. وتمثّل الخطوة تراجعاً كاملاً ومبكراً عن أكبر شريحة من تخفيضات الإنتاج التي أقرها تحالف «أوبك+»، إضافة إلى زيادة منفصلة في إنتاج الإمارات تبلغ نحو 2.5 مليون برميل يومياً، أو نحو 2.4 بالمئة من حجم الطلب العالمي. وقال خبراء نفطيون، في تحقيق لـ «الجريدة»: لا توجد استراتيجية مستقبلية، لكون «أوبك+» فقط تراقب الأسعار وتتابعها، لافتين إلى أن خيارها الوحيد هو خفض الإنتاج باستمرار للحفاظ على أي معدل لسعر البرميل دول «أوبك»، لأنها في حاجة الى سعر لبرميل النفط يتراوح بين 90 و100 دولار لسد وتغطية مصروفاتها وسد العجز في موازنات دول التحالف لا غير. وأشاروا إلى أن دول «أوبك+» بقيادة السعودية وروسيا سوف تكمل التخفيضات الطوعية البالغة 2.2 مليون برميل يومياً بشكل كامل، عبر سلسلة زيادات متتالية، وآخرها زيادة سبتمبر المقبل بمقدار 547 ألف برميل يومياً، ولم يُعلن عن أي تخفيضات إلزامية جديدة بديلة حتى الآن… وفيما يلي التفاصيل: قال الخبير والاستشاري النفطي، د. عبدالسميع بهبهاني: في النظرة العامة تتفق مؤسسات الطاقة العالمية على أن تقلبات النمو التجاري المرتبطة بالرسوم الجمركية الأميركية تمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في الاقتصاد الكلي وأسواق الطاقة خلال السنوات الثلاث المقبلة، ووفق النماذج الاقتصادية، فإن مسار العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين سيكون له أثر مباشر على نمو الطلب العالمي للطاقة.

وأضاف بهبهاني أنه يمكن تقييم النظرة المستقبلية للطاقة بثلاثة سيناريوهات، كالتالي: 1 – «حرب التجارة»… «الأسوأ» فرض رسوم جمركية كاملة بمتوسط 30 بالمئة يؤدي إلى ركود عالمي، مع تراجع الناتج المحلي الإجمالي العالمي 2.9 بالمئة بحلول 2030. الطلب على الطاقة سيتباطأ بشكل حاد، وقد يترنح سعر خام برنت حول 60 دولاراً للبرميل، مما يضغط على ميزانيات الدول المنتجة ويحد من التوسع الاستثماري. 2 – «توترات التجارة» – «الطريق الوسط» رسوم جمركية بمتوسط 10 بالمئة من 2026 حتى 2030، تؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي بنسبة 1.1 بالمئة عن خط الأساس، عندها ستكون الأسعار متذبذبة مع ميل للانخفاض، لكن دون الوصول إلى مستويات تهدد استمرارية الإنتاج في الدول منخفضة التكاليف. 3. «هدنة التجارة» – «الأفضل نظرياً» العودة التدريجية إلى مستويات الحواجز التجارية في بداية 2025، مع نمو عالمي 2.7 بالمئة سنويا حتى 2030، وسعر خام برنت يدور حول 70 دولاراً. هذا المسار يفترض بيئة سياسية متعاونة، وهو أمر مشكوك في تحققه كاملاً وفق المؤشرات الراهنة. الطلب العالمي وأشار إلى أنه من منظور «أوبك» للنصف الأول من 2025 تشير بياناتها إلى نمو الطلب العالمي على النفط بمعدل 1.3 مليون برميل يومياً خلال العامين المقبلين، ليصل إلى نحو 106 ملايين برميل يومياً، ضمن اتجاه صعودي يبدأ من 2026، لافتاً الى أن الأسعار استقرت حول 70 دولاراً، مدعومة بقدرة السوق على استيعاب الزيادات في العرض، مضيفاً أنه بحسب نظرة منظمة أوبك، فإن العلاقة بين الغاء التخفيضات الطوعية والرسوم الجمركية ضعيفة وغير مباشرة، ومؤشر ذلك هو استيعاب أسواق الطاقة لزيادة المعروض، رغم عدم اليقين للمستقبل الاقتصادي! ولفت بهبهاني الى أن هناك عوامل إضافية لم تُوزن بواقعية، وهي كالآتي: • تحوّل الطلب نحو آسيا: معظم صادرات «أوبك» تتجه إلى آسيا، التي تظل الأسرع نموًا في استهلاك الطاقة، خاصة الصين والهند. • الاتفاق الروسي – الأميركي على وقف حرب أوكرانيا، مما يعني رفع قيود بيع النفط الروسي، وهذا لن يؤثر على حجم العرض، لأنه موجود، معرباً عن رأيه بأن النفط الروسي سيعود من غير سقف، مما يجعله عاملاً دافعاً وليس ضاغطاً للسعر الإجمالي للبرميل. • تراجع القدرة الإنتاجية خارج «أوبك»: مؤشرات ضعف في إنتاج البرازيل وكندا وحتى الولايات المتحدة، لأسباب تقنية أو مالية. • مخاطر الاستثمار خارج «أوبك»: دول خارج ميثاق الشراكة (Non-DoC) تواجه تحديات أكبر في تمويل وتطوير مشاريع الاستكشاف مقارنة بـ «أوبك». • تعقيدات تجارة الغاز السائل (NGL): الأسعار عرضة لتقلبات حادة بفعل التعريفات الجمركية والمخاطر الجيوسياسية. • الغموض في مسار التجارة بين آسيا وأميركا: آسيا أكثر حاجة للطاقة، لكن التحول للتصنيع المحلي الأميركي قد يقلل وارداتها، فيما تتراجع أوروبا صناعياً. • مؤشرات الأسواق المالية الأميركية: استقرار السندات ومؤشر S&P 500 يعكس استمرار السياسات الحمائية في المدى القريب. وقال إن الخلاصة التحليلية من السابق أن السيناريو الثالث «هدنة التجارة» يبدو مثالياً على الورق، لكن العوامل المتشابكة تجعل تحقيقه الكامل غير مضمون، موضحاً أن الاحتمال الأكبر هو مزيج بين السيناريوهين الثاني والثالث، مع استمرار بعض التوترات التجارية التي تحد من النمو العالمي الكامل، دون أن تدفع الاقتصاد إلى ركود شامل، حيث إن شمولية تقديرات «أوبك» لاستهلاك الطاقة أكثر اتساعاً من شك الركود الاقتصادي. وأضاف بهبهاني: في أسواق الطاقة، فإن مرونة الإنتاج وتوجيه الصادرات نحو الأسواق الأسرع نمواً، خاصة في آسيا، ستظل عوامل رئيسية لحماية الأسعار من الهبوط الحاد، مبيناً أن التقديرات تشير إلى نطاق سعري متوقع لخام برنت بين 65 و75 دولاراً للبرميل حتى نهاية العقد، إذا بقيت السياسات الإنتاجية منضبطة وتكيفت مع التحولات التجارية والجيوسياسية. واختتم أن من ضمن معادلة الإدارة الأميركية الاقتصادية الحالية إنعاش الاقتصاد وتحاشي الركود، وأن العاملين الأساسيين المباشرين لهذه السياسة هما إما خفض فائدة «الفدرالي الأميركي»، أو خفض سعر الطاقة، فكلا الأسلوبين ممكن، وكلاهما له عوائق اقتصادية وإمكانات جيوسياسية! مراقبة الأسعار من جهته، قال الخبير والمحلل النفطي كامل الحرمي: لا توجد استراتيجية مستقبلية، لكون «أوبك+» فقط تراقب الأسعار وتتابعها، لافتاً إلى أن ذلك بمعنى أن أي ارتفاع يصب أولاً في مصلحة دول من خارج المنظمة، وهي المستفيد الأكبر الطفيلي ويستفيد من الآخرين، ومن دون التزامات. وأضاف الحرمي أن «أوبك» تتابع ولا تمتلك ولا تستطيع أن تحقق أسعاراً مناسبة، حيث إن المنتجين من خارج المنظمة بالمرصاد، وأي زيادة في سعر البرميل تصب في مصلحتهم أولاً، لافتاً إلى أن قدرتهم حرة ولا يمتلكون أي التزامات نحو دولهم، بالتالي هم أحرار في اتخاذ القرارات. وتابع: لا أرى نظرة أو خطة مستقبلية للحفاظ علي أي معدل، حيث إن المنافسة قوية من دول خارج «أوبك».

وأشار إلى أن الرسوم الجمركية ستؤدي بكل تأكيد الى خفض الطلب العالمي على النفط، لهذا فنحن نرى انخفاضاً مستمراً في سعر البرميل، مع استمرار زياده النفط من «أوبك» أو من دول خارجها. وقال إنه لا توجد أي مخاوف، لكون ترامب يريد الاستمرار في خفض سعر النفط كي يمنع التضخم المالي، لكن مع رفع الضرائب والرسوم الجمركية، فإن محصلة ذلك هو الاتجاه نحو المزيد من التضخم المالي. تخفيضات إلزامية من ناحيته، قال رئيس مجلس الإدارة في مجموعة الشموخ لخدمات النفط بالإمارات، د. علي العامري: سوف تكمل دول «أوبك+» المكونة من 8 دول بقيادة السعودية وروسيا التخفيضات الطوعية البالغة 2.2 مليون برميل يومياً بشكل كامل، عبر سلسلة زيادات متتالية، آخرها زيادة سبتمبر المقبل، بمقدار 547 ألف برميل يومياً، ولم يُعلن عن أي تخفيضات إلزامية جديدة بديلة حتى الآن.

وأضاف العامري: ومع ذلك، لا يزال التحالف يطبّق تخفيضين إلزاميين قائمين 1.65 مليون برميل يومياً من الدول الثماني ومليوني برميل يومياً من جميع الأعضاء (ينتهيان عام 2026). وقال: في المقابل قد تُعيد الدول الثماني تفعيل جزء من التخفيضات الطوعية (البالغة 1.65 مليون برميل) إذا أدت زيادة الإنتاج إلى فائض في المعروض أو هبوط حاد بالأسعار، خاصة مع توقعات بفائض إمدادات قد يصل إلى 1.5 مليون برميل يومياً بحلول أكتوبر المقبل. ولفت إلى أن نظرة تحالف «أوبك+» المستقبلية لاستقرار الأسعار تعتمد على المرونة والموازنة، وكذلك على 3 محاور رئيسية: الأول يعتمد على استعادة الحصص السوقية، بمعنى زيادة الإنتاج تدريجياً بإجمالي +2.2 مليون برميل منذ أبريل 2025 لاستعادة حصتها السوقية، مع تجنّب التسبب بانهيار الأسعار. والمحور الثاني هو التكيف مع فائض الإمدادات، أي قد تُعلق الزيادات بعد سبتمبر 2025 إذا أدت إلى فائض كبير، خاصة مع توقعات بانخفاض الطلب الموسمي في الخريف، وزيادة إنتاج «أوبك الظل» دول من خارج التحالف. أما المحور الثالث، فيتعلق بالرقابة على المخزونات العالمية، وسوف يستند قرار زيادة الإنتاج إلى انخفاض المخزونات النفطية العالمية وقوة الاقتصاد، كما ظهر في انخفاض المخزونات الأميركية بمقدار 4.2 ملايين برميل أكثر 7 أضعاف من التوقعات. ارتباط غير مباشر وذكر العامري أنه لا يوجد ارتباط مباشر بين إلغاء التخفيضات والرسوم الجمركية الأميركية، لكن الضغوط الأميركية شكلت خلفية غير مباشرة، مثل ضغوط ترامب على الهند حين هدّد بفرض رسوم جمركية بنسبة 100 بالمئة على السلع الهندية إذا لم تتوقف عن شراء النفط الروسي، مما قد يسبب اضطرابات في تدفقات الإمدادات، والمعروف أن الهند تستورد 1.75 مليون برميل يومياً من روسيا. وأضاف: كذلك هناك تأثير غير مؤكد على «أوبك+» وإذا قلصت الهند مشترياتها، فقد يُعاد توجيه النفط الروسي لمشترين آخرين، أو قد يحدث شح مؤقت في السوق، لكن التحالف يتحرك فقط عند حدوث اضطرابات فعلية، وليس استباقاً للتهديدات. وأشار إلى أنه في الماضي كانت هناك جهود أميركية لخفض الأسعار عندما شجعت الولايات المتحدة «أوبك+» على ضخ المزيد من النفط لخفض الأسعار، وهو ما تحقق جزئياً عبر زيادة الإنتاج، لكن القرارات الأخيرة للتحالف تستند أساساً إلى مؤشرات السوق كقوة الطلب الموسمي وليس الضغوط السياسية. وحول مخاوف «أوبك+» من إجراءات أميركية مضادة، أكد العامري أنه بالفعل كانت هناك مخاوف من ردود فعل أميركية لو استمرت التخفيضات، لكن التحالف تعامل بحذر. وتابع: عندما طالب ترامب علناً «أوبك+» بزيادة الإنتاج لخفض الأسعار، وهدّد بفرض عقوبات على مشتري النفط الروسي، كالهند، لتحقيق هدفين هما تقويض عائدات موسكو، وضمان تدفق نفطي رخيص، فإن التحالف تفادى التصعيد، مرجحاً أن زيادة الإنتاج جزئياً تستهدف تخفيف هذه الضغوط، خصوصاً أن الولايات المتحدة أكبر مستهلك للنفط عالمياً، وأي عقوبات على دول «أوبك+» قد تضر باقتصاداتها، مؤكداً حرص «أوبك+» على عدم الاستجابة الكاملة للضغوط الأميركية، حيث زادت الإنتاج تدريجياً، مع مراقبة الأسعار التي ظلت عند 70 دولاراً للبرميل، وهو مستوى مقبول للتحالف. وأعرب عن اعتقاده بأن التحالف سوف يواجه بعض التحديات المستقبلية، ومنها مثلا أنه سيواجه اختباراً صعباً في إدارة التوازن بين الإنتاج والأسعار، مع التوقعات بفائض إمدادات قد يصل الى 1.5 مليون برميل يومياً بحلول أكتوبر 2025. وتساءل العامري: هل سيظل التماسك الداخلي متوافقاً خاصة حول إعادة تفعيل التخفيضات الطوعية؟ ثم يأتي موضوع تأثير الرسوم الجمركية إذا فرضت أميركا عقوبات على الهند، فحينها قد تضطر مصافيها لشراء نفط بديل بأسعار أعلى، مما يرفع الأسعار عالمياً، ويعقّد خطط «أوبك+». تدني الأسعار بدوره، استبعد الخبير النفطي، د. خالد بودي، أن تلجأ «أوبك» لتخفيضات إلزامية في المستقبل القريب في ظل مستويات الأسعار الحالية. لكن المنظمة قد تضطر الى اللجوء لخفض الإنتاج، إذا تدنت الأسعار إلى مستويات تؤدي إلى أوضاع مالية حرجة للدول الأعضاء، وهذه المستويات هي دون 50 دولاراً للبرميل. وأضاف بودي: لا تمتلك «أوبك» الكثير من الخيارات للمحافظة على استقرار الأسعار، ويكاد يكون التحكم في حجم الإنتاج هو الأسلوب الوحيد لدى «أوبك» لمنع الأسعار من التدهور، لافتاً إلى أنه في ظل الاتجاه إلى الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية وطاقة الهيدروجين (خلايا الوقود) يتعين على «أوبك» وضع استراتيجية طويلة الأمد لمواجهة تراجع الإقبال على النفط على المدى البعيد، ولتطوير هذه الاستراتيجية يجب على «أوبك» الاستعانة بمراكز أبحاث عالمية لتحديد البدائل المتاحة في ظل هذا التحول ببدائل الطاقة.

جريدة الجريدة الكويت: اشرف عجمي 

Leave A Reply

Your email address will not be published.