التكنولوجيا والتقدم الاقتصادي
في أنظمتنا التعليمية الوطنية العادية، نتطلع خاصة الى الغرب لأخذ الأفكار والدروس التطبيقية.الا أن أسيا تتفوق أحيانا على الغرب ليس فقط في الأفكار بل في التطبيق أيضا. شكلت شرق أسيا أعجوبة اقتصادية لا بد من أخذ العبر منها لمحاولة انقاذ الاقتصادات العربية المتعثرة وغير المتنوعة. من المؤكد أن الاقتصاد الحر المبني على العولمة لم يعط النتائج المرجوة. لم تعد مجموعة الاقتصادات الناشئة العمود الفقري للاقتصاد العالمي كما كانت عليه بسبب سوء الاداء، وعلى الأخص بسبب الفساد المنتشر في الادارة والسياسة والأعمال. يحتاج الاقتصاد العالمي الى نفضة كبيرة تبدأ من الاقتصادات الوطنية لتنتقل الى الاقتصادين الاقليمي والدولي.
تشعر اليوم الصين بالتعثر، وها هي تؤسس للمستقبل علما أن نتائج الماضي لم تكن سيئة. في مدرسة الادارة في «بيودونغ» Pudong مثلا، تجهز الصين قيادات المستقبل عبر دروس ومحاضرات وندوات بمستويات عالمية. هنالك آلاف الأشخص يتخصصون في الادارة العامة أي جهاز اداري يقوى مع الوقت. يجب على كل موظف في الدولة أن يتدرب 3 أشهر على الأقل كل 5 سنوات أي حوالي 133 ساعة في السنة. في الصين، يتم اختيار الأفضل للعمل في القطاع العام على عكس الدول الغربية التي يذهب أفضل شبابها وشباتها الى القطاع الخاص.
كانت الادارة العامة الصينية الأفضل حتى القرن التاسع عشر، عندها انتقلت القيادة النوعية الى الغرب. تريد الصين اليوم اعادة تفوقها الاداري الذي سينعكس تفوقا اقتصاديا وسياسيا. لذا أسست الصين مدرسة الادارة الوطنية تحت رعاية الرئيس السابق «هيو جينتاو» (2003 \ 2013) الذي قال ان التفوق الصيني يرتكز على العلم والنوعية وخاصة التدريب. مدرسة الحزب الشيوعي في العاصمة تركز على تحديد الأهداف، بينما تسعى مدرسة بيودونغ الى تحديد كيفية الوصول الى تلك الأهداف.
بنيت الأفكار الصينية على النموذج السنغافوري الذي يجمع العالم على نجاحه. سنغافورة، الدولة الصغيرة المتفوقة اداريا واجتماعيا، بنت أفضل المدارس والمستشفيات وحققت نظاما سياسيا مبنيا على القانون والعدل والتخطيط الصناعي. يمكن تشبيه سنغافورة بالنسبة للصين ب»سيليكون فالي» الأميركية وانعكاسها على القطاعين العام والخاص. حقق «لي كيوان يو» أعجوبة اقتصادية خلال توليه رئاسة الحكومة في سنغافورة (1959 \ 1990). حقق الأمن والنظام وفتح الاقتصاد على الاستثمارات. وظف أذكى وأفضل الأشخاص في الحكم ودربهم ودفع لهم أجورا عالية لتحفيزهم على العمل في القطاع العام. لم تكن الصين الاقتصاد الوحيد الذي حاول ويحاول التعلم من التجربة السنغافورية، بل هنالك «دبي» الذي يستمر تفوقها في ميادين عدة وتتنافس اليوم مع الدوحة وغيرها من المدن الناشطة علميا واقتصاديا.
عرف الاقتصاد العالمي ثورات صناعية متتالية أضافت كل واحدة منها الى ما سبقها. في الثورة الأولى بنت المجتمعات الغربية دولا مركزية تبعا لنظريات «توماس هوبس» وكتابه «ليفياتان» الذي صدر في سنة 1651. شكلت هذه ثورة لأنها أعطت السلطة المركزية قوة لتحديد وتنفيذ السياسات المطلوبة. شكلت النظرية الركيزة الأولى للدول القومية حيث قال «هوبس» أن الهدف الأول للدولة هو تحقيق النظام وتطبيق القانون والبناء على عقد اجتماعي واقعي. في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تمددت الثورتان الفرنسية والأميركية في كل أوروبا. في زمن «أدام سميث» مؤسس النظام اللييرالي، أعطي للقطاع العام دورا ثانويا أو هامشيا.
لكن بعد التجارب تبين للمجتمعات أنه لا بد من تعزير صلاحيات القطاع العام كي يقوم بواجباته مما سمح بالانتقال الى الثورة الثالثة التي حققت نظام دولة الرفاهية. بنيت هذه الفترة على نظريات «جون ستيوارت ميل» التي كتبها في زمن بريطاني متفائل ومستقر. وجدت «الادارة العامة» التي هدفت ليس فقط الى تأمين الأمن والاستقرار، بل الى الاهتمام بحاجات المواطن الاجتماعية من علم وصحة وغذاء وغيرها وبنيت على نظريات «بياتريس ويب» الرائدة. قال «هاييك» في سنة 1944 أن القطاع العام اذا بقي قويا سيقضي على الحريات وبالتالي وجب وضع حدود له.
بعد هذه الثورات الثلاث، لم تأتِ الرابعة مباشرة بل تحققت نصف ثورة مع نظريات الاقتصادي «ميلتون فريدمان» التي طبقت في عهدي ريغان وتاتشر. قامت الادارتان بتنفيذ الخصخصة لكن المشروع لم ينجح كليا، فتم التراجع عن العديد من الأفكار. لم ينحسر دور القطاع العام في الاقتصاد الا جزئيا لفترة صغيرة، عاد بعدها الى التمدد في كل الاتجاهات. قال فريدمان في سنة 2004 أي قبل سنتين من وفاته ان الادارتان نجحتا في وقف التمدد الاشتراكي السياسي، لكنهن لم تنجحا في ضرب وقلب مصادره وأسباب انتشاره. دور القطاع العام في المجتمعات هو أقوى اليوم من أي وقت مضى.
في أكثرية الدول، الشعب غير راض اليوم عن اداء الحكام مما يفسر فوز الأحزاب المتطرفة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية. لذا يحتاج العالم الى أفكار وربما ثورات جديدة تحسن الأوضاع العامة للمواطن عندما تطبق. تبنى الثورة الرابعة على الفكر والحرية والديموقراطية، على تفعيل القطاع العام في الاقتصاد ضمن قواعد العولمة والتكنولوجيا الحديثة. هدف الثورة تمكين القطاع العام من تقديم خدمات أفضل للمواطن مرتكزا على أفضل الأفكار المقتبسة عالميا. هدفها تحديث قوانين العمل احتراما للمواطن وحقوقه وتفعيلا لانتاجيته. هدفها خلق المناخ المناسب لتحقيق النجاح للمواطن كما لقطاع الأعمال. الأوضاع كما هي عليه غير مرضية للمواطن، ولا بد من تحقيق التغيير لإرضائه.
أما الثورة الخامسة فتُبنى على الرابعة أي تقوي استفادة المواطن من كافة الآلات التكنولوجية الحديثة لتعزيز الرفاهية الاجتماعية التي يحلم بها المجتمع. هنالك أخيرا الثورة السادسة التي تطور السلع والخدمات معتمدة على دمج التقدم التكنولوجي المتشعب والمتنوع. تصبح التكنولوجيا مع الوقت أكثر فأكثر ركيزة التقدم الاقتصادي الحديث.