اللبنانيون يأكلون من المجارير ويشربون مياهاً ملوّثة!
في بلدٍ يعانق السماء بجباله وينابيع مائه تشقّ الصخر، كان من المفترض أن تكون المياه وفيرة ومصدر أمان، لا أزمة تفتك بحياة المواطن اليومية. لكنّ الواقع المرير يفرض علينا أن نعيد النظر في هذه البئر التي جفّت على مدار سنوات طويلة، حيث باتت قطرات الماء تمثل حلما بعيد المنال، لا تكفي حاجات السكان، ولا تلبّي أبسط معايير الأمن المائي.
ولا مناص من القول ان ما هو أسوأ من ندرة المياه، هو استخدام مياه الصرف الصحي الملوثة لري المزروعات، التي تعود لتستقر على موائد اللبنانيين بوجوه غير مرئية للمخاطر الصحية. أمرٌ لا يمكن السكوت عنه أو تجاهله، إذ تتحوّل حقولنا إلى مراكز إنتاج أمراض مزمنة، تحت سمع وبصر الجميع، وسط غياب استراتيجية وطنية واضحة لحماية الثروة المائية وصحة المواطن. وقد علمت «اللواء» بمئات حالات التسمم في البلاد، ومعظمها كان نتيجة تناول بعض أنواع الخضراوات، مثل البقدونس والنعناع.
«اللواء»، من منطلق مسؤوليتها الصحفية والإنسانية، توجّه نداءً عاجلاً إلى كل المسؤولين المعنيين: هذا الأمر لا يحتمل التأجيل أو المماطلة، فالبلد لم يعد يتحمّل لعبة انتظار الحلول التي لا تأتي. وفي ظل هذا الواقع، لا يملك اللبنانيون خيارا سوى اللجوء إلى صهاريج المياه، التي أصبحت بمثابة شريان حياة يعبئه الجميع بأثمان متصاعدة تزداد كل يوم. ففي مناطق شملان والناعمة والمطيلب وحتى في أحياء مثل الأشرفية، تتفاوت أسعار تعبئة ألف لتر من الماء بين عشرات الدولارات ومئات آلاف الليرات، مع اختلاف الأسعار حسب ارتفاع الطوابق، في استغلال واضح واحتكار يثقل كاهل المواطن.
لكن مهلا، كيف يعقل أن يعيش لبنان، بلد الينابيع والأنهار، أزمة مياه بهذا الحجم، بينما الوزارات المختصة تكتفي بالتصريحات وكأنها تبثّ أصداء سراب في صحراء، لا واقع ملموس؟ سنوات مرّت، وحروب سياسية واقتصادية عصفت بالبلاد، إلّا أن الاستراتيجيات الطارئة لحماية الماء، غذاء الحياة، تغيب تماماً، كما غابت عن الملفات الأخرى الحيوية في هذا الوطن.
إنها دعوة صارخة تستحق السمع والعمل، قبل أن تتحوّل أزمة المياه إلى كارثة وطنية لا علاج لها، ويصبح جفاف الينابيع رمزاً لانهيار الدولة وتهاوي أمنها الصحي والبيئي.
الكلام حبر على ورق!
من جهته، يكشف رئيس حزب البيئة العالمي والخبير البيئي الدكتور ضومط كامل لـ «اللواء»: «أن لبنان وصل هذا العام إلى مرحلة خطرة جداً، نظراً لانخفاض كمية المتساقطات، إذ لم نحصل إلّا على ما يقارب الثلث وزيادة بسيطة من المعدل العام. كما أن الثلوج لم تتساقط إلّا على ارتفاع 1500 متر، وكانت معدلاتها قليلة جداً، ولا توجد استراتيجية مائية في البلاد، وجميع هذه الأمور تُركت على حالها دون معالجة».
وينبّه الى انه: «نتيجة انقطاع تساقط الأمطار مبكراً، منذ شهر نيسان وما قبله، وبسبب شحّها الشديد، وصلنا إلى مرحلة نواجه فيها خطراً مائياً بالغاً هذا العام، مع انخفاضات خطرة جداً في كميات المياه، إذ لم نحصل على المتساقطات المطلوبة، وكذلك الحال بالنسبة للثلوج».
ويُوضح أن: «الدولة حتى اليوم تفتقد استراتيجية مائية بنّاءة، والخطر الأكبر يتجسّد في أنهارنا والصرف الصحي بشكل مطلق. فأنهارنا ملوثة بالصرف الصناعي والصرف الصحي، وتتعرّض للتدمير بشكل ممنهج». ويشير الى ان «لدينا جزءا من نهري إبراهيم والعاصي، وهما النهران اللذان يمكننا القول إن مياههما نظيفة، مما يعني أن معظم الأنهار اللبنانية تضررت في ظل غياب خطة محكمة لحمايتها».
زلزال صحي!
ويؤكد: «أن مياه الصرف الصحي اختلطت في نقاط كثيرة بمياه الشرب والري من المياه الجوفية، علماً بأن هناك أنهاراً في لبنان تروي المزروعات، ولكن هذه الأنهار ملوثة بالصرف الصحي. وبالتالي، فإن المزروعات التي تنمو على جوانبها تُسقى بمياه الصرف الصحي، وإنتاج هذه المحاصيل والخضراوات المزدهرة في هذه الأماكن يُقدّم على طاولة الشعب اللبناني والمسؤولين والقيادات، حيث يستهلك الجميع خسها وخيارها وبقدونسها وطماطمها وغيرها من الأنواع من هذه المناطق الملوثة، وهذه تحمل تهديدات صحية فتاكة جداً».
ويشدّد على أنه: «منذ شهر حزيران من هذا العام، لاحظنا تزايد الطلب بوتيرة غير مسبوقة وفي جميع المناطق اللبنانية على مياه الصهاريج. وهنا سأعطي مثالاً: على ضفة نهر إبراهيم توجد بئر ارتوازية كانت تبيع المياه يومياً بما لا يقل عن 5 إلى 7 صهاريج، واليوم بات يصل الطلب إلى 100 صهريج وما زال لا يكفي. كذلك السواحل اللبنانية في جبيل وجونيه والبترون، جميع هذه المناطق تطلب صهاريج لتعبئة المياه. وهنا يكمن الخطر الأكبر، أن مياه الصهاريج في مناطق متعددة ملوثة بالصرف الصحي، وتصل إلى أسطح منازل المواطنين، وهي ملطخة بأشدّ درجات التلوث، ويستخدمها الناس في غسيل الفواكه والخضار والتنظيف والاستحمام والاستخدام اليومي، وهم لا يعلمون أنها متسخة. وهنا يأتي دور الدولة لوضع الخطة المطلوبة. ونحن كحزب البيئة العالمي أطلقنا طلباً يتمثل في وضع استراتيجية وخطة طوارئ مائية محلية، ولكن حتى الآن لم نلمس أي تجاوب».
كلام النهار تمحوه المحاصصات!
ويشرح: «أن الاستراتيجية الوطنية المائية والبيئية في الوقت نفسه لا يجب أن تكون مجرد حبر على ورق، بل ينبغي أن تكون فعّالة جداً. ونحن، انطلاقاً من اختصاصنا، قادرون على جعلها كذلك مئة في المئة ودون أي عوائق، لكننا نتأمل أن يكون هذا التأخير ناجماً عن وضع خطة إنقاذ، ومن البديهي أن تكون قائمة في بلد المياه الجوفية والأنهار والينابيع والبحيرات».
ويحذّر: «الوضع دقيق، وقد نشهد وقوع جرائم وحروب مائية بسبب الثروة المائية، وذلك في المناطق الجبلية المرتفعة، سواء في الشمال أو في مناطق أخرى. لذلك، أطالب الدولة اللبنانية بوضع يدها على هذا القطاع سريعاً قبل انفلات الأمور وسقوط ضحايا، ونحن جاهزون للمشاركة في وضع الاستراتيجية عندما يُطلب منا ذلك».
مليارات الدولارات أُهدرت على بناء سدود فارغة!
ويتطرق إلى موضوع «السدود والبحيرات»، موضحاً أنه: «منذ تسعينيات القرن الماضي، وأنا شخصياً أناشد بوضع استراتيجية مائية وتفعيل خطة عمل لحماية المياه اللبنانية ووقاية شعبنا من العطش. وأعطي مثالاً على عمل شاركت فيه، كسد شبروح، وهو ناجح جداً، حيث يغذّي كسروان والمتن بكميات هائلة من المياه، وقد حمى المنطقة من الأزمات المائية. لذا طالبنا بإنشاء سدود فعّالة، لا كالسدود التي أنشئت وكانت فاشلة، ولو كانت مملوءة بالمياه حتماً لم نكن لنواجه بأي شكل من الأشكال أزمة مياه».
نعم محاصيلنا «مدنّسة»!
من جانبه، يُوضح إبراهيم مهنّا، الحائز على دبلوم في الزراعة والمساحات الخضراء من معاهد فرنسا، والذي يعمل في تعهدات الري والزراعة والمساحات الخضراء منذ حوالي ثلاثين عاماً، لـ «اللواء»، انه: «طبعاً تختلف مصادر مياه الري بين منطقة وأخرى، فبعض المناطق الزراعية تعتمد على الأنهار والسواقي، وأخرى على الآبار الارتوازية، وأحياناً على الاثنين معاً».
ويقول: «تعتمد الزراعات القريبة من الأنهار والسواقي بشكل أساسي على مياه هذه السواقي، لكن المشكلة الكبرى أن معظمها قد باتت ملوثة، سواء بالمياه العادمة المحمولة إليها من شبكات الصرف الصحي، وخاصة في الاماكن التي لا توجد فيها محطات تكرير، أو في المناطق التي توجد فيها محطات لا تعمل، أو من النفايات التي يتم رميها على جوانب الأنهار وداخلها، إضافة إلى نواتج المعامل والمصانع التي يتم التخلص منها أو التي تتسرب كلها إلى هذه السواقي».
ويضيف: «أما مياه الآبار، ففي الفترة الأخيرة تم حفر الآلاف منها بطريقة عشوائية ومفرطة، وبأعماق مختلفة، وصل كثير منها إلى المياه الجوفية، وتراوحت هذه الأعماق بين ثلاثمائة إلى خمسمائة متر، فتراجع مستوى المياه الجوفية، وأصبحت معظم الآبار متوسطة العمق مهددة بالجفاف. وقد أدى هذا الحفر العشوائي والسحب المفرط إلى استنزاف المياه الجوفية وجعل معظم الآبار في حكم المستنفذة».
خطر محدّق!
ويُبيّن أن «الوضع بقي مقبولاً حتى وصلنا الى هذا العام الجاف قليل المتساقطات، فوقعت الكارثة حقاً، وجفّت معظم السواقي والأنهار، وكذلك كثير من الآبار، حيث أصبح المزارعون وزراعاتهم في وضع مأسوي فعلاً. ويعيش أصحاب الزراعات المستدامة كبساتين الفاكهة قلقاً حقيقياً بالنسبة الى العام المقبل، فإذا لم يتم تعويض العجز المائي، فستكون معظم هذه البساتين في خطر الجفاف والموت».
ويكشف أن «كل ذلك يترافق مع كلفة عالية لاستخراج المياه الجوفية، والتي تحتاج إلى أموال ضخمة واستثمارات في حفر وتجهيز الآبار، إضافة إلى تجهيز محطات الطاقة الشمسية الكهربائية، خصوصاً للآبار الجوفية، ما بات يشكّل عبئاً إضافياً على كلفة الإنتاج. والجدير بالذكر أن أسعار الخضار والفواكه هذا العام لا تزال حتى الآن متدنية جداً، وغالباً ما لا تفي بكلفة الإنتاج».
ويختتم حديثه بالتشديد على «أن الواقع المائي في أسوأ أوضاعه، وضع لم يشهده منذ عشرات السنين، والمزارع يتخبّط عاجزاً عن إيجاد حلول لهذه المشكلة. ويكتمل انكشاف الزراعة والمزارعين نتيجة الغياب التاريخي للدولة، وهي الجهة المؤهلة لوضع الخطط، وإدارة حالات الطوارئ، وبناء السدود، وحماية المياه الجوفية، وإيجاد مصادر بديلة كمشاريع تحلية المياه مثلاً، إضافة إلى حماية الأنهار من خلال صون ينابيعها وحمايتها من التلوث».
في النهاية، بين غياب الدولة وغضب الطبيعة، تعيش بيئتنا عامة، والزراعة والمزارعون خاصة، أسوأ تحدٍّ وجودي قد يهدّد بقائهم، فمتى تتحرك دولتنا العظيمة؟