تحديات لبنانية ضاغطة

ليس من الصعب وضع لائحة بأهم التحديات التي يواجهها لبنان مع بداية العهد الجديد. اللائحة قد تطول كثيرا اذ لا يخلو أي قطاع من مشاكل كبيرة مزمنة متراكمة أهمل سابقا حلها قصدا أو لعدم المعرفة. سنعالج 5 مشاكل هي القطاع العام وتكلفته، التضخم، الوجود غير اللبناني الضاغط، ، الحدود التجارية غير المضبوطة وشلل القطاع المصرفي. هنالك مشاكل أخرى كبرى في الكهرباء والمياه والبنية التحتية ترتبط عموما بشكل أو آخر يالقضايا الخمسة التي ذكرنا. نعي جيدا أن البدء باقرار الحلول وتنفيذها لن يتم قبل أن تبدأ الحكومة الجديدة بالعمل الجدي أي بانتاجية وشفافية، وهذا سيأخذ وقتا ربما ليس قصيرا.
أولا: القطاع العام والانتاجية اذ نعلم جميعا أن حجم القطاع أكبر مما يحتاج اليه لبنان، وبالتالي تصغيره مع الوقت يكون لمصلحة اللبنانيين. لا تكمن المشكلة في العدد والتكلفة، بل في الانتاجية أي ما ينتج الموظف خلال فترات الدوام. عدد العطل في لبنان هو من الأكثر في العالم بسبب تنوع المجتمع والمزايدات السياسية السطحية. نعلم جميعا أن انتاجية القطاع العام ضعيفة وان العمل لا يحصل من دون تمويل غير شرعي أو ما نسميه بالفساد مما يخلق جوا من عدم الثقة بين الموظف والمواطن. تكمن مشكلة اللبناني اليوم في كيفية تعاطيه مع القطاع العام ولأي مدى يخدم هذا القطاع مصالحه بل لا يضر بها. من أسواء الأوقات التي يمضيها المواطن اللبناني هو عندما يحتاج الى خدمة في القطاع العام وبالتالي يتحمل كل أنواع سؤ المعاملة في التنفيذ والتخاطب. يكمن الحل في دراسة هيكلية القطاع العام لرفع الانتاجية وثم النظر بجدية الى كل الأجور والمنافع بحيث يستطيع الموظف العيش بكرامة.
ثانيا: التضخم الذي أصبح مشكلة مالية عالمية خاصة مع حربي أوكرانيا وغزة وارتفاع أسعار المواد الأولية الأساسية من قمح ونفط، مما دفع بالمصارف المركزية الى رفع الفوائد لمواجهة غلاء الأسعار. نعرف جيدا أن التضخم هو عدو الطبقات الفقيرة كما عدو أصحاب الأجور، فتراكمت كل الأسباب لدفع هذه الأجور نحو الانهيار. تم رفع الأجور في لبنان في القطاعين العام والخاص كما أن القطاع الخاص يسدد قسما منها بالدولار، لكن معظم الأجور والمنافع لا تسمح للموظف بالعيش الكريم كما كان الحال قبل 2019. ما يساهم برفع القيمة الحقيقية للأجور مع الوقت هي اعادة بناء الدولة في السياسة والقضاء والمال والشؤون الاجتماعية وغيرها. التضخم اليوم هو مشكلة العائلات اللبنانية اذ نستورد تقريبا كل شيء وقدراتنا الاستهلاكية منخفضة ورغباتنا مرتفعة مما يخلق أجواء مزعجة من التعاسة والغضب. عالميا خفضت المصارف المركزية الفوائد مؤخرا لتشجيع المواطنين والشركات على الاقتراض للاستثمار والاستهلاك اذ أعتبر ان التضخم أصبح تحت السيطرة لكن الوقائع لا تؤكد ذلك.
ثالثا: الوجود غير اللبناني الضاغط والمكلف. الوجود الفلسطيني قديم ولا يظهر أن مشروع العودة قريب بل يبدو أن الحل يبتعد خاصة بعد المشروع الجديد المقدم من الرئيس ترامب بشأن غزة والذي يفترض نقل ملايين الفلسطينيين من فلسطين الى دول عربية مجاورة وربما الى أخرى غير عربية بعيدة. مشروع ترامب سيوحد العرب لمواجهة المشروع مما يدعو الدول العربية الى عرض حلول واقعية بديلة تدفع ترامب للتراجع عن برامجه. أما الوجود السوري، فارتفع مع الحرب التي بدأت في 2011 وأصبح يشكل ثقلا كبيرا على الاقتصاد كما على المجتمع اللبناني. يستهلك هذا الوجود كل الخدمات ويخلق مشكلة ديموغرافية كبيرة. مع النظام السوري الجديد، يمكن الأمل بايجاد وتنفيذ حلول سريعة تسمح للسوريين بالعودة الآمنة الى بلدهم. بالاضافة الى المشاكل الأمنية، هنالك مشاكل في الأعمال اذ تتكاثر المؤسسات التجارية غير الشرعية التي تنافس اللبناني. كان هنالك غض نظر من قبل الدولة تجاه هذا الخرق الواضح لكل القوانين أو أقله كان هنالك عجز تجاه الواقع المؤلم. الوجود غير اللبناني يبقى ضاغط ماديا ونفسيا وانسانيا، والحلول متوافرة اذا ساعدنا المجتمع الدولي.
رابعا: الحدود التجارية غير المضبوطة وغير المراقبة من السلطات اللبنانية وهذا يعني أن هنالك مؤسسات وشركات استوردت لسنوات سلعا دون تسديد الضرائب الجمركية الشرعية، وبالتالي باعت هذه السلع بأسعار أدنى بكثير من منافساتها الشرعية التي تسدد كل الضرائب. هذا يقتل القطاعات التجارية الشرعية ويؤثر سلبا على ايرادات الدولة وبالتالي على قدرتها في القيام بواجباتها المتزايدة تجاه اللبنانيين. كيف يمكن لدولة أن تقوم بواجباتها تجاه مواطنيها عندما تخسر الكثير ماديا ومعنويا من جراء تصرفات المافيات والراعين للتبادلات غير الشرعية؟ الموضوع ليس تجاري فقط وانما أخلاقي وأمني ويؤثر على السلم الأهلي.
خامسا: القطاع المصرفي الغائب أو المشلول، اذ كيف يمكن لاقتصاد أن يتقدم وينمو من دون قطاع مصرفي يقرض ويمول ويأخذ الودائع ويعيدها الى أصحابها. ننسى أحيانا أن الاقتصاد اللبناني تطور حتى سنة 2019 بفضل المصارف. كانت مضرب مثل للمؤسسات المصرفية الفاعلة التي تدار بأفضل الطرق. غياب المصارف يخلق مشاكل اجتماعية جدية. فالقروض السكنية مثلا مهمة، اذ كيف للشباب والشابات أن يؤسسوا عائلات من دون شراء المنزل بواسطة قروض تتناسب ودخلهم. أقرضت المصارف للبناء فتطور القطاع العقاري كثيرا ونعلم جميعا أن البناء يقع في قلب كل القطاعات. أقرضت المصارف للاستهلاك كما لشراء السيارات مما ساهم في نمو هذه القطاعات. أقرضت المصارف الشركات للاستيراد والانتاج ونمت قطاعات كبيرة بسببها في السياحة والصناعة والزراعة. لن يتعافى لبنان قبل احياء القطاع المصرفي وهذا يبدأ عمليا برد كل الودائع لأصحابها. هنالك ضرورة لوضع تصور لمستقبل هذا القطاع خاصة من ناحية عدد المصارف التي تتنافس في سوق صغيرة معتمدة على تقنيات حديثة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.