صندوق النقد متحفّظ: خطّة الحكومة غير كافية!

انقضى 19 يوماً من المباحثات الافتراضيّة، بين بعثة صندوق النقد والوفد الحكومي اللبناني، كانت كافية ليكوّن “الصندوق” انطباعاته بخصوص العناوين الرئيسيّة لخطة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الماليّة. وهذا ما عرضه رسميًا بيان صدر أخيرًا عن دائرة العلاقات الإعلاميّة في “الصندوق”.

والبيان الذي صاغته الدائرة بنبرة “الصندوق” الدبلوماسيّة والمتحفّظة المعهودة، انطوى على إشارات مبطّنة تعكس عدم رضا لما عرضته الحكومة حتّى الآن. بل وعدم اقتناعه بأن ما حضّرته يمثّل قاعدة خطّة ماليّة متكاملة. وفي الخلاصة احتوى البيان جملة واحدة كافية لتلخيص ما يريد “الصندوق” قوله للحكومة: المزيد من العمل مطلوب، لترجمة الإصلاحات التي يتم الحديث عنها في سياسات عامّة ملموسة.

توصيات الصندوق المبدئيّة

جولة المباحثات التي يلخّصها البيان، جرت ما بين 24 كانون الثاني ويوم أمس الجمعة 11 شباط. وترأس بعثة الصندوق راميز ريغو. وحسب البيان، تركّزت آراء بعثة الصندوق على ضرورة أن تشمل خطة التعافي المالي النقاط الخمس التالية:

– الإصلاحات الماليّة المرتبطة بالميزانيّة العامّة وإعادة هيكلة الديون السياديّة، بما يسمح باستدامة الدين العام على المدى البعيد، ويسمح أيضًا للدولة بتوفير الموارد الماليّة للانفاق على الأولويّات الاجتماعيّة وإعادة الإعمار.

– إعادة هيكلة القطاع المالي، لتعزيز الثقة بالمصارف اللبنانيّة ودعم جهود التعافي المالي.

– إصلاح المؤسسات العامّة، وتحديداً قطاع الكهرباء، لتأمين الخدمات العامّة اللائقة للمقيمين، بلا استنزاف موارد الدولة الماليّة.

– تعزيز أطر الحوكمة ومكافحة الفساد، ومكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، لرفع معايير الشفافيّة والمحاسبة المتبعة.

– نظام نقدي ذو مصداقيّة، لإدارة سوق القطع على المدى المتوسّط.

بمعنى آخر، ما يريده “الصندوق” من الدولة اللبنانيّة حسب البيان، هو رؤية متكاملة للإصلاح المالي، تشمل جميع عوامل الأزمة الماليّة الراهنة، من الدين العام وماليّة الدولة وتعثّر القطاع المالي، وصولًا إلى أزمة سعر الصرف وشفافيّة عمل الإدارة العامّة. وفي إطار هذا البرنامج الشامل، تعتبر البعثة أن الحصول على دعم مجلس إدارة الصندوق المبدئي للخطّة ضروري، للتمكّن من توفير الدعم المالي من “الصندوق”. ومن ثم الشروع بتطبيق الخطّة. وهذا لن يحصل إذا لم يقدم لبنان على خطوات مسبقة تكفل إعادة الثقة بأداء الدولة اللبنانيّة.

ما أعدّه الوفد اللبناني غير كاف

بلهجة رصينة ومتحفّظة، يعبّر “الصندوق” عن أن ما أعدّه الوفد اللبناني غير كاف لبدء المفاوضات الرسميّة مع لبنان، لكونه لا يمثّل أساس خطّة جديّة للتعافي المالي. فالبيان يعتبر أن المحادثات شهدت “تقدّماً في التفاهم على الإصلاحات المطلوبة، لكنّ ثمة حاجة لمزيد من العمل لترجمة هذه الإصلاحات إلى سياسات ملموسة”. وبلهجة أوضح، يشير البيان إلى أن الحكومة يفترض أن تعمل على إجراءات كفيلة بتعزيز تنافسيّة الاقتصاد المحلّي، والبدء بوضع الخطط المرتبطة بمعالجة قطاع الكهرباء، بما يتضمّن مجموعة من الإجراءات المقترحة وفق تسلسل زمني واضح. وفي إطار الخطّة، لا بد من أن تعمل الحكومة على مجموعة من الخطوات المرتبطة بتعزيز الشفافيّة ومكافحة الفساد، عبر التسريع في تشكيل هيئة الشراء العام وإقرار قانون رفع السريّة المصرفيّة، أو تعديل قانون السرية المصرفيّة نفسه.

كل ما سبق يؤكّد أن “الصندوق”، وبعكس الوفد اللبناني المفاوض، لا ينظر إلى خطّة التعافي المالي بوصفها مجموعة من المعادلات الحسابيّة التي تستهدف معالجة الخسائر فقط، بل بوصفها نظرة شاملة لكيفيّة معالجات الإختلالات البنيويّة القائمة. ولهذا السبب بالتحديد، حرص “الصندوق” على تعداد سلسلة من الإصلاحات التي يفترض أن تبدأ بها الحكومة اللبناني كمقدّمة لتطبيق خطّة التعافي المالي، وكجزء من رؤيتها التصحيحيّة الشاملة. وهذا تحديدًا ما تحدّث عنه البيان في إشارته إلى ضرورة وضع استراتيجيّة متوسّطة الأجل لماليّة الدولة، بما يتناسب مع خطّة إعادة هيكلة الدين وإعادته إلى مستويات مستدامة، بهدف التمهيد لتطبيق خطة التعافي المالي الشاملة.

إشراك أصحاب المصلحة

في الخلاصة، حرص البيان على الإشارة إلى الترحيب بأي مناقشات أو محادثات مع ممثلي المجتمع المدني، “لإثراء فهم الصندوق للوضع المالي في لبنان”. وهذا الجزء من البيان ظهر كمحاولة من “الصندوق” لتطمين أصحاب المصلحة المتأثرين بخطة التعافي المالي، وخصوصًا روابط المودعين والنقابات، والذين رفعوا الصوت خلال الأسابيع الماضية رفضًا لتهميشهم وإقصائهم من مداولات الصندوق مع الوفد الحكومي المرتبطة بخطة التعافي. وأشار “الصندوق” إلى أنه خلال السنوات الماضية على رفع شعار “إشراك أصحاب المصلحة” وتأمين “الإجماع المجتمعي”، في إطار أي محادثات يجريها مع سلطات الدول المتأثرة بالأزمات الماليّة، للتخفيف من الانتقادات الموجهّة إلى طريقة تعامله مع الأزمات الماليّة ونوعيّة الشروط القاسية التي يفرضها على الدول المتأثرة بها.

من الواضح أن بيان صندوق النقد الدولي، تفادى الدخول في الجزء الأكثر حساسيّة من مداولاته مع الحكومة اللبنانيّة، والمتعلّقة بمسألتين: طريقة تقييم خسائر القطاع المصرفي، ومقاربة الحكومة للتعامل مع هذه الخسائر. فدائرة العلاقات الإعلاميّة حرصت على حصر مضمون البيان بالنقاط العموميّة، المتعلّقة برؤية “الصندوق” للخطّة، من دون الدخول في تفاصيل مندرجاتها. لكن نبرة “الصندوق” المشككة، فيه ما يكفي لما تم إعداه حتّى اللحظة من جانب الحكومة، وتؤكّد كل ما تم تسريبه مؤخّراً من هذه المحادثات، لجهة امتعاض بعثة الصندوق من مقترحات الوفد اللبناني وطريقة مقاربته خطة التعافي المالي. ولهذا السبب، سيكون على الحكومة خلال الأسابيع المقبلة إعادة تدوير الخطة الماليّة مرّة أخرى، طالما أن الهدف الأوّل والأخير من هذه الخطة- بالنسبة للحكومة- هو الدخول في برنامج صندوق النقد.

المصدر:Leb Economy