إقرار موازنة غير مُنتِجة: ثلاث سنواتٍ غير مشجِّعة آتية

خَتَمَ رئيس الحكومة نجيب ميقاتي مرحلة مرور الموازنة العامة على طاولة مجلس الوزراء، معتبراً إياها “خطوة أولى ضمن سلسلة من الإجراءات ستتخذ على الصعيد المالي”. ورغم أهمية الاعتراف، إلا أن تحديات ما بعد الموازنة هي الأساس، لأنها تشكّل منطلقاً لنجاح التفاوض مع صندوق النقد الدولي. وبالتالي، يبقى إقرار الموازنة العامة للعام 2022 حدثاً عادياً بحد ذاته، لأنه يشكّل تجاوباً مع المعايير الدستورية، وليس إنجازاً فريداً للحكومة.

مستوى العجز

اعتادت الحكومات المتعاقبة الصرف وفق القاعدة الإثنيّ عشرية في المرحلة التي تلت العام 2005، بعد توقّف إقرار الموازنات. وتحوّلت القاعدة الاستثنائية إلى قاعدة، وبات معها إقرار الموازنات إنجازاً. علماً أن الحكومات التي تقر الموازنات، لا تلتفت إلى إلزامية إجراء قطع الحساب عن السنة التي تسبق سنة الموازنة.

تجاوزاً لكل ذلك، أقرت حكومة ميقاتي الموازنة، وباتت جاهزة للذهاب نحو مجلس النواب. وحملت الموازنة في متنها عجزاً متوقّعاً بنسبة 17 بالمئة. أما الزيادة المتوقعة لأسعار السلع فستكون بين 3 و5 بالمئة. فيما مجموع النفقات سيكون حوالى 47 ألف مليار ليرة والعجز المقدّر سيبلغ نحو 8 آلاف مليار ليرة.

وبما أن قانون المحاسبة العمومية يُعرِّف الموازنة بأنها “صك تشريعي تُقدَّر فيه نفقات الدولة ووارداتها عن سنة مقبلة و تُجاز بموجبه الجباية والإنفاق”، فإن ما تتضمّنه من أرقام ليست نهائية، بل هي مرهونة بالواقع غير المشجّع، خصوصاً على مستوى تغيُّر سعر صرف الدولار الذي بات يتحكّم بمفاصل أرقام الموازنة.

وبانتظار إقرارها في مجلس النواب ومرور عام لمطابقة النتائج مع التوقّعات، يرى الخبير الاقتصادي إيلي يشوعي أن العجز المطروح “عبارة عن نسبة معقولة”. لكن من غير المؤكد وقوف نسبة العجز عند هذا الحد مستقبلاً. فحسب ما يقوله يشوعي لـ”المدن”، تبقى الموازنة نظرية وتصحّ أرقامها “بقدر ما تعبِّر عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي وعن مستويات الدخل الأسري وأجور الأفراد”.

ويؤكد يشوعي أن نسب العجز المسجّلة في الموازنات هي انعكاس للسياسات التي اتُّبِعَت “بعد فترة الستينيات والسبعينيات، والتي كانت تعتبر أن القاعدة الذهبية للموازنات العامة تقوم على افتراض توازن بين مجموع النفقات ومجموع الواردات”. وجرى التسامح مع تسجيل العجز بين الواردات والنفقات “بشرط استثمار زيادة الإنفاق بطريقة مجدية تساعد على النمو الاقتصادي وتكبير حجم الاقتصاد بهدف زيادة الواردات”. لكن ما حصل في الواقع، هو “المبالغة في العجز والإفراط في الاقتراض، وهو حال الدول النامية التي رأت أن العجز مسموح، ولم تُكمل باقي القاعدة”.

ما بعد الموازنة

لن يعيق مجلس النواب إقرار الموازنة لأن السلطة السياسية تحتاج إتمام هذه الخطوة الدستورية لتبيِّن التزامها بخطوات الإصلاح. لكن كل ذلك مرهون بمدى اقتناع صندوق النقد بالإصلاح المقصود. والصندوق حالياً يختتم جولة مباحثاته في لبنان تاركاً للحكومة واجباً عليها إنجازه، شبَّهه يشوعي بالواجبات المدرسية التي تُعطى للتلميذ لإنجازها في المنزل، لتبيان إذا فهم الدرس والتزم به أم لا.

تدرك الحكومة ما ينتظره الصندوق، ولذلك سارع ميقاتي إلى الإقرار بوجود “تحديات كبيرة، منها التضخم والتعثر وعدم القدرة على التمويل الخارجي وتحقيق الاستقرار المالي والنقدي والاقتصادي”. هذه التحديات تعني التركيز على خطة التعافي الاقتصادي التي لا تنفصل عن التفاوض مع حملة سندات اليوروبوند وإعادة هيكلة المصارف، وهي أمور “تستغرق وقتاً”. وهذا الوقت بنظر ميقاتي يتراوح “بين سنتين وثلاث سنوات، وعلينا أن نتحمل هذا الوضع، وهو لن يكون بالسهولة التي نتوقعها”.

وإدراك التحديات والوظيفة المطلوبة من الحكومة الحالية والحكومات المتعاقبة على مدى 3 سنوات على الأقل، لا يتناسب مع مضمون الموازنة التي يصفها يشوعي بأنها “موازنة غير إصلاحية. فليس فيها إصلاح نقدي ولا مالي ولا ضريبي ولا اجتماعي ولا اقتصادي”. وكل ما فعلته هذه الموازنة هو “تصحيح النِسَب الضريبية وقيم الرسوم. وهذه أمور غير مرتبطة عضوياً بخطة التعافي أو الإصلاحات المالية”. ولذلك، فهي موازنة تفتقر إلى “الخصوبة الاقتصادية”.

إذاً، مرَّرَت الحكومة موازنة غير منتجة، وأجّلَت بحث الإصلاحات لنحو 3 سنوات ورَمَت على عاتق اللبنانيين المنهكين، عبء تحمّل الوضع بميزان قوى غير متكافىء بينهم وبين الزعامات السياسية وأصحاب الاحتكارت وحزب المصارف. وهذا الثلاثي هو المسؤول عن الأزمة ويريد للمتضرّرين تحمّل النتائج. على أنّ صندوق النقد لا ينتظر من المواطنين وضع أسس الإصلاح وتنفيذها، بل من الحكومة التي تعبِّر عن مصالح الثلاثي. والصندوق غير متفائل حتى اللحظة، حتى وإن خرجت من أروقته بعض التصريحات التي تعبّر عن اختتام بعض المراحل بنجاح، إذ “لا تزال هناك حاجة لعمل مكثّف في الفترة المقبلة”، وفق ما أكّده المتحدث باسم صندوق النقد الدولي، جيري رايس، في حديث لوكالة رويترز.

المصدر:Leb Economy