رفع الدولار الجمركي الى “صيرفة”: أهلاً بالتهرّب الضريبي…

حسمت الحكومة أمرها بتحديد سعر الدولار الجمركي لرفع منسوب الإيرادات الجمركية، معتمدة سعر منصة صيرفة التي بلغت نحو 21 ألف ليرة تقريباً على أن يعلنه وزير المال شهرياً ويطبّق عند إقرار الموازنة في مجلس النواب “مع الأخذ في الإعتبار إلغاء الرسوم الجمركية عن الأدوية وعن أي سلعة غذائية”. ولكن هذا التوجّه، يطرح مخاوف عدة حيال آثاره السلبية على نوعية الحياة المتوقعة للبنانيين مستقبلاً، في بلد يعتمد بنحو 90% من استهلاكه على الاستيراد، بما سيؤدي حتماً الى زيادة منسوب الفقر وفقدان الاستقرار الاجتماعي والصحي، وخلل كبير في مستويات المعيشة المتدنية أصلاً، إضافة الى فتح الباب أكثر أمام التهريب والتهرّب الضريبي، اللذين كانا يُقدّران قبل الازمة بنحو 5 مليارات دولار سنوياً.

نظرياً، إذا اعتمدت الحكومة سعر الدولار الجمركي وفقاً لسعر منصة صيرفة فستزيد الإيرادات نحو 15 ضعفاً، لكن السؤال المربك في مواجهة زيادة ضريبية قياسية، لا سابقة تاريخياً لها، هل ستبقى وتيرة الاستيراد على حالها، أم ستتراجع، وهل.. وهو السؤال الاهم “هل يُعقل أن يدفع المكلف (شركة أو فرداً) هذه الرسوم الجمركية الجديدة على سعر 20 ألف ليرة، فيما يُسمح له بسحب وديعته بالدولار من المصرف على سعر 8000 ليرة فقط؟ وهل ستتمدّد الإعفاءات الى موادّ أولية للصناعة والزراعة وبعض مشتقات الأدوية، لتنتهي بعد إنتاجها في الأسواق الإقليمية بعد “تصديرها” عبر المعابر غير الشرعية، فيستفيد “الجيران” وتخسر الخزينة؟

عند التأمّل جلياً بالقعر الاقتصادي الذي آل إليه الوضع في لبنان، يمكن التساهل مع خطط وأفكار تحوي في باطنها المزيد من الضرائب والرسوم، وهي الطريقة الأسرع لرفد الخزينة بما يتيسّر لتأمين مصاريف الدولة وحاجاتها، لكن قطعاً، ومن غير العلمي والاقتصادي والإنساني في شيء أن تكون الضرائب هي الحلّ، خصوصاً في بلد “حاميها حراميها” والجابي شقيق المرابي، والمفتش أخو المُعَفِّش، وجميعهم يعملون عند ربّ فساد واحد يحميهم من بقايا مساءلة وقضاء التهمتهما الطبقة السياسية وأخضعتهما لنفوذها.

“مرتا مرتا” تهتمّين بالرسوم وملء “الجيبة” بينما المطلوب شفافية ودولة ومحاسبة، وقضاء يستمد أحكامه واجتهاداته من كتب القانون، وأحكام الضمير، لا من قصور السياسة، ومحميات الطوائف.

تسعى الحكومة لتمرير موازنة عام 2022 المحمّلة بأعباء كبيرة على كاهل المواطنين وفي مقدمها احتساب الدولار الجمركي وفق سعر منصة صيرفة الذي سيؤدي حتماً وفق ما يؤكد الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين لـ”النهار” الى “رفع الأسعار بمعدلات كبيرة مع تراجع في الايرادات على اعتبار أن الحديث عن رفع سعر الدولار الجمركي بدأ منذ فترة، بما حدا بالتجار الى استيراد البضائع بشكل كبير وتكديسها في المخازن تحسبا لهذا الإجراء. وهذا الامر سيفيد منه التاجر الذي سيبيع البضائع على اساس دولار جمركي وفق سعر منصة صيرفة فيما هو دفع الرسم الجمركي على سعر الـ 1500 ليرة، لافتا الى نسبة الاستيراد ستتراجع أقله في الأشهر الستة التي تلي اقرار الموازنة، وتاليا الايرادات. وفي دراسة كانت أعدّتها “الدولية للمعلومات” أشارت الى أن اعتماد سعر 14 ألف ليرة هو الأكثر رجحاناً، وفي حال اعتماد هذا السعر سترتفع الرسوم بنسبة 833%. فكيف الحال، إذا اعتمد سعر منصة صيرفة الذي يُقدّر حالياً بنحو 21 ألف ليرة؟.

وكان الاكاديمي والباحث في الشؤون الاقتصادية الدكتور أيمن عمر قد فصّل لـ”النهار” الزيادات على أسعار بعض السلع التي ستتأثر برفع الدولار الجمركي الى نحو 20 ألف ليرة، ومنها المحروقات وهي السلعة الأهم في حياة المواطنين. فالمازوت معفى من الرسوم الجمركية ومن TVA، وتالياً لا تأثير للدولار الجمركي عليه، أما الغاز فهو معفى من TVAوهو يخضع لرسم مقطوع نحو 40 ألف ليرة وقد يُعدَّل لاحقاً أيضاً، ويبقى البنزين وهو يخضع فقط لـTVA وهو معفى من الرسوم الجمركية، وبعملية حسابية فإن رسم TVA على تنكة البنزين التي تبلغ كلفة استيرادها 193$ هو = 193x 11% = 21$ الذي يساوي وفق سعر الصرف الرسمي 1515 نحو 32000، أما على أساس #سعر صرف الدولار الجمركي فتصبح TVA = 21x 20000= 420000، وتالياً تصبح الزيادة على تنكة البنزين بحسب تأثير الدولار الجمركي= 420000 – 32000= 388000 ستُضاف إلى سعر التنكة وفق الجدول الذي تصدره وزارة الطاقة، طبعاً إلا إذا تمّ إعفاؤه من الدولار الجمركي. ومن السلع التي ستتأثر بالدولار الجمركي وستؤثر على كلفة استيراد الطن الواحد منها (الجمرك يُحتسب بالطن أو الكيلو) على سبيل المثال لا الحصر: الأزرّ الذي سيؤدّي الدولار الجمركي إلى زيادة 749,000 عن الكلفة الحالية لكل طن، البنّ 1,998,000، الشاي 1,455,000، البطاطا 5,367,000، ملح الطعام 123,000، مستحضرات التجميل 37,320,000، مستحضرات العناية بالبشرة 11,367,000، محضرات العناية بالفم والأسنان 18,809,000، محضرات استعمالات الحلاقة 18,091,000، الأحذية 8,824,000، أجهزة التكييف 6,064,000، البرادات، 3,837,000، الغسالات 2,164,000، أجهزة الهاتف 200,672,000، بُدل وأطقم وسترات 5,791,000، بلوزات وقمصان للنساء 12,536,000 وسراويل داخلية وقمصان نوم 3,787,000.

تهرّب ضريبي بالمليارات؟

الأكاديمي والخبير الاقتصادي الدكتور بيار الخوري ينظر الى موضوع رفع سعر الدولار الجمركي من زاويتين متلازمتين ولكن متناقضتين. فمن ناحية لم يعد من الممكن بقاء الدولار الجمركي على هذا المستوى من الانخفاض في ظل ارتفاع اسعار كل شيء خصوصاً بعد اعتماد منصة صيرفة التي حاولت أن تقرّب أسعار السوق السوداء الى سعر معترف به شرعياً من السلطات النقدية والمالية والسياسية، إذ إن بقاء الدولار الجمركي عند مستوى 1500 ليرة سيعتبر الآن دعماً غير معلن على البضائع المستوردة، وهذا أمر يسهم من ناحية بخفض القاعدة الضريبية. كما أن الإبقاء على سعره الحالي “يشجّع على زيادة الاستيراد على حساب الإنتاج الوطني وخروج المزيد من العملات الصعبة التي تتميز الآن بالندرة الشديدة”. لكن الزاوية الاخرى التي يشير إليها خوري هي “زاوية قدرة الدولة على فرض رسوم جديدة أو تعديل أسعار الرسوم في ظلّ اقتصاد غير محوكم”. ولكن في المقابل يتبادر الى الذهن سؤال: ما الذي يضمن أن ارتفاع الواردات الجمركية لن يؤدي الى زيادة التهرب الضريبي؟ وفي المقابل، ما الذي يضمن أن ارتفاع سعر الدولار الجمركي لن يخفض قيمة المستوردات على نحو يؤدّي الى تواضع الايرادات المتوقعة من الزيادة الجمركية؟

في الواقع، تبني الحكومة التوقعات على أساس تحصيل مبلغ 19 ألف مليار ليرة ناتج زيادة الدولار الجمركي من خلال تحصيل مبلغ 3.6 آلاف مليار ليرة من الواردات الجمركية ونحو 12.6 ألف مليار ليرة من ضريبة القيمة المضافة والبقية سوف يتم تحصيله من خلال الرسوم النوعية على الاستيراد ورسوم أخرى. ولكن هذا المبلغ برأي خوري يأخذ في الاعتبار مرونة الاستيراد بالنسبة لزيادة الضرائب بما يؤدي في الواقع الى انخفاض الوعاء الضريبي أي إن حجم المتحصّلات سوف يكون أقل بسبب رفع الضرائب، ولا يأخذ أيضاً في الاعتبار أنه في ظل بلد غير محوكم برشد، ودولة ينخرها الفساد فإن ارتفاع الضرائب سيؤدي الى ارتفاع التهريب وهو أمر قائم أصلاً. ويمكن ملاحظة هذا الامر بالاستقرار النسبي في قيمة الواردات الجمركية رغم الارتفاع الكبير في قيمة المستوردات بين عامي 2011 و2022، مذكّراً بالفارق بين “أرقام الاستيراد من الصين في عام 2018 مقارنة بحجم الاستيراد الصيني من لبنان في العام عينه الذي بلغ ضعفي القيمة بسبب التهرّب الضريبي”.

وفي ظل الارتفاع المتوقع في تسعير رسوم الواردات الجمركية، يتوقع خوري، أن تستعيد مسيرة التهريب ارتفاعها من مصادر مختلفة أولها التهريب المباشر عبر عدم التصريح عن البضائع وإدخال البضائع في تصريحات لبضائع مختلفة تخضع لنسب جمركية أقلّ وهذا أمر كان قائماً في لبنان وله نظامه الذي يعمل بالتواطؤ مع السلطة السياسية ومع مجتمع المستفيدين من الموظفين، إضافة الى أن ثمة بضائع لا تدخل أبداً ببيان جمركي، إذ تدخل من المرافق المختلفة بسبب قوة السطوة السياسية. ويشير خوري ايضاً الى التصريح الخاطئ عن قيمة المستوردات بحيث يتم التلاعب في فواتير المنشأ والمحاسبة على هذا الفارق خارج لبنان بصيغة أو بأخرى خصوصاً أن معظم التجار اليوم باتت لديهم قنوات أخرى غير القطاع المصرفي اللبناني لتسديد فاتورة استيرادهم من حسابات خارج لبنان أو عبر التحويل النقدي المباشر بأسماء مختلفة. أما بالنسبة لحجم التهرّب الضريبي، فيؤكد خوري أن هذا الأمر لا يمكن معرفته بدقة، بيد أنه يشير الى تقديرات سابقة بلغت نحو 40% من حجم الرسوم قبل الازمة، متوقعاً أن يستعيد هذا النمط نشاطه بقوة “بغية المحافظة على الحدّ الممكن من مستوى الطلب الذي انخفض كثيراً خلال العامين الماضيين والذي سيشهد المزيد من الانخفاض مع رفع تسعير الدولار الجمركي ما لم يكن ثمة طرق ملتوية للالتفاف على هذا الإجراء”.

المصدر:النهار

كتبت الخبر:سلوى بعلبكي