الأزمة تمنع اللبناني من اللجوء إلى المستشفى

الصحّة حقّ أساسيّ من حقوق الإنسان في المجتمعات التي تؤمن بحقوق الإنسان، لكنّها في لبنان لا تبدو كذلك، إذ أصبح المواطن محروماً من أبسط حقوقه. وقد باتت صحّته عرضة للأخطار بسبب الأزمة التي حرمته أدويتَه بالدّرجة الأولى، عندما لم يعد قادراً على إيجادها. بعدها، جاء ارتفاع أسعار الأدوية بشكل كبير ليُصبح من الصعب على المواطن تأمينها، وهو الرازح تحت أعبائه الاقتصادية والمعيشيّة الصعبة.

كذلك أصبح الدخول إلى المستشفيات هاجساً للمواطن خوفاً ممّا يُمكن أن يتحمّله المريض من تكاليف باهظة. هذا دون أن ننسى الفحوصات التي كان يجريها على سبيل الوقاية حفاظاً على صحته، والتي أصبح يتجنّبها بسبب الارتفاع الكبير في تكاليفها. هذه العناصر مجتمعة تدفع اللبنانيين اليوم إلى إهمال صحّتهم من جهة، وإلى التوجّه نحو طوارئ المستشفيات في مرحلة متأخّرة، حين يصبح من الصعب فيها إنقاذهم أو تكون معالجتهم أكثر صعوبة.

زيادة متوقّعة في الحالات الصعبة في الطوارئ

أمام هذا الواقع، من المتوقّع أن تزيد أعداد المرضى الذين يصلون إلى أقسام الطوارئ،  بسبب الإهمال أو عدم القدرة على المعالجة مسبقاً. وهذا ما كان أكّده نقيب المستشفيات سليمان هارون في حديث له مع ارتفاع عدد الحالات الطارئة الأكثر خطورة، فيما أوضحت رئيسة قسم الطوارئ في المركز الطبي للجامعة الأميركية الدكتورة إيفلين حتّي أنّ التردّد أو التأخّر في اللجوء إلى المستشفى بدأ منذ بداية الجائحة، بسبب تخوّف الناس من كورونا. وقد انخفضت منذ ذلك الحين نسبة اللجوء إلى الطوارئ، وأصبحت الحالات التي تصل أكثر خطورة.

هي مشكلة عالمية، وتشكو منها المستشفيات في مختلف دول العالم، بحسب حتّي التي تؤكّد أن دراسة أجراها مستشفى الجامعة الأميركية، أكّدت أنّ الخوف من كورونا هو السبب الأساسي. علمياً، ما من تأكيد على أنّ هذا التراجع في الأعداد حصل بسبب الأزمة الاقتصادية في البلاد. ففي الواقع، يصعب التمييز بين أسباب التراجع في أعداد المرضى، الذين يلجأون إلى المستشفى في الوقت المناسب لتلقّي العلاج، ومن غير الواضح إن كان السبب يتمثّل بالأسعار المرتفعة أو الأزمة الاقتصاديّة أو بالخوف من الأمراض المعدية.

أمّا اليوم، فتعود أعداد المرضى في الطوارئ لترتفع مع إعادة فتح المدارس وارتفاع أعداد المصابين بفيروس كورونا في البلاد، في الوقت الذي تشير “حتّي” إلى أنّ مستشفى الجامعة الأميركية قد يستقبل مرضى من ذوي الإمكانيّات المادية العالية، وتتمّ تغطية تكاليف استشفائهم من قبل شركات التأمين، ما لا يشكّل عائقاً أمامهم من الناحية الماديّة.

من انعكاسات أزمة الدواء

في المقابل، يبدو واضحاً أن انقطاع الأدوية شكّل عاملاً أساسياً لجهة المساهمة في ازدياد الحالات الخطيرة بسبب عدم تلقّي العلاجات. فخلال فصل الصيف، كان هناك ارتفاع في الحالات الطارئة بين من يعانون أمراضاً مزمنة لعدم قدرتهم على إيجاد أدويتهم . أما اليوم، فثمة تحسّن ملحوظ مع توافر الأدوية المزمنة إلى حدّ ما. لكنّه ليس مستبعداً أن يكون الوضع مختلفاً بحسب “حتّي” في مستشفيات أخرى، بسبب الأوضاع وارتفاع الأسعار وعدم قدرة المرضى على تحمّل التكاليف الباهظة للعلاجات، ما يدفعهم إلى التهاون في العناية بصحتهم.

ومن المتوقّع أن تكون أعداد المرضى في طوارئ المستشفيات الحكومية مرتفعة إلى حدّ كبير بسبب الأوضاع الاقتصادية العامة، مع ما للتأخير من خطر على حياة المرضى وصعوبة معالجتهم بفاعلية، خصوصاً حين يتعلّق الأمر بالأمراض المزمنة كالضغط والسكّري والقلب. مع الإشارة إلى أنّ التأخير في العلاج يختلف أثره بحسب الحالة، وقد يظهر خلال أيام أو أسابيع، بحسب كلّ حالة.

كما لا تنكر “حتّي” أن أهم المشكلات التي خلّفتها الأزمة في القطاع الصحي أنها فرضت تغييراً على مستوى نوعية العلاج والبروتوكولات المعتمدة. فقد توصف أدوية معيّنة للمرضى هي الأنسب لحالتهم، ويضطر الطبيب إلى تغييرها بسبب عدم توافرها في الأسواق، وقد يصف أحياناً ادوية أقلّ فاعلية أو من عائلة مختلفة.

الخطر الأكبر في الأمراض المزمنة

من جهته، يؤكّد رئيس قسم الطوارئ في مستشفى الحريري الحكومي الدكتور جهاد بقاعي أن أعداد المرضى الذين يصلون إلى الطوارئ في حالات متقدّمة قد زادت بشكل ملحوظ، إما بسبب عدم القدرة على شراء الأدوية، وإمّا بسبب عدم القدرة على دخول المستشفى في الوقت المناسب لتلقّي العلاج، ما أدّى إلى تطوّر الحالات، خصوصاً أن المستشفيات الخاصة بمعظمها تطلب دفعة أولى كبيرة قبل إدخال المريض، وهو ما يعجز عنه المريض في أغلب الأحيان. “حتى الفحوصات المطلوبة في الطوارئ وتكلفتها العالية قد تمنع المريض أيضاً من التوجّه إلى المستشفى سريعاً. علماً بأنها قد تكون مغطّاة في مستشفى الحريري من قبل جهات مانحة يُمكن التواصل معها”.

ولا يُنكر بقاعي أنّ ثمّة حالات متقدّمة حضرت إلى الطوارئ، ولم يكن من الممكن إنقاذها بسبب التأخير، فحصلت وفيات عديدة. كذلك بالنسبة إلى مَن يعانون أمراضاً في الرئة أو التهابات حادّة فيصل بهم الأمر إلى تأثر الإشارات الحيويّة.

ولا يمكن استثناء مرضى كورونا من التأخير في كثير من الأحيان؛ وذلك بسبب #الوضع الاقتصادي، وبسبب تراجع القدرات الماديّة وزيادة الفقر. ويبقى الخوف الاكبر، بحسب بقاعي، ممّا سيحصل لاحقاً، إذ من المتوقّع أن يزداد الوضع سوءاً في هذا المجال نتيجة الإهمال، بسبب الوضع الماديّ والمعيشيّ، وبسبب عدم القدرة على تأمين الأدوية. وبالتالي، من المتوقّع ان تزيد أعداد المرضى الذي سيصلون بحالات متقدّمة إلى الطوارئ أكثر بعد، فتكون الصعوبة أكبر في مساعدتهم وإنقاذهم.

 المصدر: النهار
كتبت الخبر: كارين اليان