«أوميكرون» اختبار لمدى الاستفادة من دروس «كورونا»

مثّلت المخاوف العالمية من أثر سلالة «أوميكرون» المتحورة من فيروس كورونا إنذاراً لدول العالم فيما يتعلّق بقدرتها على تجاوز أي مخاوف تعود بالعالم إلى نقطة البداية عند تفشي «كوفيد 19» بكل أضراره السريعة والحادة والقاسية على اقتصادات العالم ومنظوماته الصحية والحياتية.

ومع أن مخاوف «أوميكرون» بدأت في التراجع، منذ مطلع الأسبوع الجاري، مع صعود أسعار النفط والبورصات العالمية، بعد أن هوت بحدّة عقب إعلان جنوب إفريقيا اكتشاف المتحور الجديد، إلا أن فكرة ظهور سلالة جديدة من «متحور كورونا» ستظل تشكل تهديدا متوسطا إلى طويل المدى لحياة الناس ومصالحهم في العالم أجمع، بحيث تكون الغلبة أو المنفعة في نهاية الأمر للدول والكيانات التي تُحسن آليات التعامل مع أي طارئ جديد، أو استفادت من الدروس العديدة التي قدّمتها أزمة كورونا، لا سيما فيما يتعلّق بالقدرة على تطويق التفشي السريع للوباء، والكفاءة في عملية تحصين المجتمع، فضلاً عن توفير البدائل التكنولوجية في العمل والتعليم بما يمكن اللجوء إليها بكفاءة عند الحاجة.

إجراءات وعواقب

في الحقيقة، فإن ما قدّمته أزمة كورونا للكويت من دروس لم يتم الاستفادة من معظمها، حتى الآن، فرغم التعامل الحكومي السريع مع المتحور الجديد؛ من جهة إعلان رئيس اللجنة الوزارية لطوارئ كورونا، وزير الدفاع الشيخ حمد الجابر، عدم إغلاق المطار وإبقاء الحدود مفتوحة، وطمأنة وزارة الصحة، من خلال تصريح وزيرها د. باسل الصباح، بشأن قدرة النسبة العالية من المطعّمين على احتواء الوباء، فإنّ ثمة دروسا من أزمة كورونا كانت تحتاج إلى ما هو أعمق من التفاعل السريع أو طمأنة المجتمع، لا سيما أن السلالة الجديدة أعادت الى الأذهان خيارات تتعلّق بالحظر الكلي أو الجزئي وسياسات الإغلاق، وغيرها من الإجراءات الاحترازية المشددة بكل ما يتبعها من عواقب.

تقلبات النفط

أزمة «كورونا» سلّطت الضوء على مجموعة من المخاطر المالية والاقتصادية؛ أولها إمكانية تدهور أسعار المصدر شبه الوحيد للدخل وهو النفط بفترة سريعة، إذ بلغ سعر البرميل الكويتي في أبريل 2020 نحو 11 دولارا، في حين سجّل تراجعا على مدى أسبوعين بسبب المخاوف من مدى جدية مخاطر سلالة «أوميكرون»، وبالتزامن مع الضغوط الأميركية على دول «أوبك بلس» بنحو 9 في المئة، وهذا يبيّن جانبا مهما من تقلّب السلعة الأساسية لتمويل المالية العامة للدولة، في حال ما كانت المخاوف من المتحور الجديد أو أي متحور أو تطوّر مستقبلي جادة، وهو درس على مدى أكثر من 20 شهرا لم يشهد معالجة جدية أو حتى بداية لها مع عودة التعافي المؤقت لأسعار النفط هذا العام، رغم أن الأثر الأول لأزمة كورونا عام 2020 انعكس نفادا لسيولة الاحتياطي العام، وإجراءات حكومية قصيرة المدى لتوفير مصروفات الرواتب شهراً بشهر!

تجارة البشر

ومع عودة الحديث عن سلالة «أوميكرون»، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو مدى درجة الخطورة الناتجة عن اختلال التركيبة السكانية، وتحديدا في تجارة البشر والإقامات، على تفشي الوباء في البلاد، أو الضغط على المنظومة الصحية بشكل عام.

فعند بدء آثار الجائحة على البلاد عام 2020، شكلت العمالة الرخيصة والهامشية ذات السكن المخالف للاشتراطات الأمنية والصحية، وحتى الإنسانية الملائمة، عبئاً فاق قدرة الدولة على تطويقها، الأمر الذي يطرح مجموعة من الأسئلة عن الإجراءات التي اتخذتها الدولة من عدمه لمعالجة أكبر بيئة محفّزة للتفشي، ناهيك بمعالجتها من ناحية أمنية أو إنسانية.

أصحاب المشاريع

لا شك أن أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة كانوا خلال الجائحة هم الفئة الأكثر تضرراً من اجراءات الإغلاق والحظر، إذ وقع العديد منهم تحت وطأة الافلاس او التعثر، مع التأكيد على أن مشاكل هذه المشروعات تتعدى المسائل المالية الى بيئة الاعمال كاملة، مع أهمية التفريق بين المشاريع الصغيرة والمتوسطة المفيدة للاقتصاد خدمياً والمشاريع الاخرى التي تشكل أعباء على الاقتصاد من جهة تضخم أعداد العمالة الوافدة أو تسويق النهم الاستهلاكي في المجتمع.

وبكل الأحوال، لم تشهد البلاد معالجة جذرية أو إجراءات وقائية لحماية اصحاب الاعمال الصغيرة والمتوسطة من مخاطر ظهور متحورات ذات أثر اقتصادي سلبي، الأمر الذي يشكل بيئة ضاغطة على أي فكرة شبابية أو مبادرة في المستقبل.

الأمن الغذائي

وقد تبين من خلال أزمة كورونا أن الكويت منكشفة بشكل كبير على العالم في مسألة احتياجاتها الغذائية، فهي تستورد سنوياً نحو 90 في المئة من احتياجاتها الغذائية من الخارج، مما يعرّضها لمخاطر عالية عند حدوث الأزمات العالمية، لا سيما تلك التي لا ترتبط بوفرة المال بقدر تأثرها، مثلاً، بالمصاعب اللوجستية، خصوصاً تلك التي لا حديث في العالم إلا عنها، وهي سلاسل الإمداد كالنقل والتخزين أو التركيز على المناطق القريبة جغرافيا، مع أهمية التساؤل عن معرفة العائد من القسائم الزراعية والجواخير على الأمن الغذائي، ومدى فاعلية الدعومات التي تقدمها الدولة في تقليص الاعتماد على الاستيراد الخارجي.

الاستعداد التكنولوجي

لا شك في أن دروس كورونا في العالم كله بيّنت أهمية التكنولوجيا في تيسير حياة الناس، بأصعب الظروف الاقتصادية والصحية، خصوصا من جهة التعليم والعمل، وفي الحقيقة لم يتم تقييم تجربة «التعليم عن بُعد» بشكل علمي، إلا أنها على الأرجح كانت نافذة للغش ولتخريب جيل كامل معتمد على تعليم مزوّر باسم نظام الـ «أونلاين»، وهو نظام كان من الأجدر مراجعته وتطويره بشكل علمي، ليكون مدخلاً لمناهج رقمية مرنة تراعي بدرجة معيّنة التطورات التكنولوجية. أما العمل عن بُعد، فلم يخضع، كذلك، للتطوير أو المراجعة، ناهيك بجدوى التطبيقات الرقمية ودورها في تسهيل المعاملات بالأجهزة الحكومية، والذي لم يحدث أن حققه تطبيق «سهل» الحكومي.

لقد كانت دروس «كورونا» مدخلاً لكشف مجموعة من الاختلالات والعقبات المنسية، منذ سنوات ومناسبة للحل، وفق معطيات تبين خطورة استمرارها، وهذه المرة قد لا يكون من الملائم إهمالها، لأنها ستكون حاضرة مع بروز أي متحور جديد أو أزمة غير محسوبة العواقب.

المصدر: الجريدة

كتب الخبر: محمد البغلي