البنك المركزي اللبناني بين الاستقلالية والتبعية خيط رفيع..

كتب د. هشام جابر في ” اللواء”:

لم أدع يوماً خبرتي بالشؤون المصرفية، أو المالية. إنما بعد ما حصل في لبنان من انهيار مالي، ومسؤولية المصرف المركزي وإثارة الجدل حول استقلاليته، وبالتالي مسؤولية عن الكوارث المصرفية..
رأيت ضرورة نشر ما جاء في كتاب أصدره، الراحل الدكتور عبد الأمير بدر الدين في لندن، باللغة الإنجليزية، ووضع به عصارة خبرته وهذا الذي عمل نائباً لحاكم مصرف لبنان لأكثر من عقد من الزمن.
وكان قد اختاره لهذا المنصب الرئيس الراحل فؤاد شهاب منذ انشائه عام 1963. ورأى به الكفاءة، والنزاهة.. بعيداً عن أي إنتماء سياسي.
رحل الدكتور عبد الأمير بدر الدين، كما رحل فؤاد شهاب طيب السمعة وناصع اليد، حزين على وطنه انما مرتاح الضمير. ربما تجد هذه الصفحة من الكتاب جواباً على السؤال، وتحسم الجدل القائم.
الباب التاسع
أسطورة استقلال البنك المركزي
البنك المركزي هو بنك الدولة. لذلك يمكن التساؤل بخصوص استقلاله. يمكن التساؤل أيضاً لماذا لا تعطى وظائف البنك المركزي الى وزارة جديدة، أو الى واحدة أو أكثر من دوائر الدولة؟ لقد أصبح من الواضح أكثر من أي وقت أن أهداف السياسة النقدية لا يمكن تحقيقها من قبل البنك وحده. ثم ان الاستقرار والتنمية أو الصالح العام لا يهم البنك وحده بل السلطات في كل القطاعات. الأسلوب المثالي هو في تعاون جميع المسؤولين على مستوى بإشراف الحكومة. وقد قيل إن السياسة النقدية كأي سياسة حكومية يجب ان تراقب من قبل المسؤولين عن الناخبين… الاستقلال يعيق التنسيق المناسب بين السياسة النقدية والسياسات الاقتصادية الأخرى.
كيف نشأت وتطورت البنوك المركزية؟ بنك إنكلترا حدث تأسيسه بطريق الصدفة، وتم تطويره كبنك مركزي تدريجياً دون سابق تصميم. أنشئ سنة 1694 من قبل وليم الثالث مقابل قرض منحة له البنك لمحاربة لويس الرابع عشر. تمتعت أوراقه النقدية بثقة أكبر وتداول أوسع بسبب وضعه الذي أصبح مميّزاً. فلا الملك ولا البنك نفسه كان قد أدرك أنهم غرسا بذور مفاهيم البنوك المركزية التي تبلورت في بداية القرن العشرين.
نرى إذاً ان حاجة وليم الثالث للقرض نظراً لظروف الحرب أدّت إلى اصدار الصك لصالح بنك إنجلترا. السؤال الآن هل من الضروري للبلدان الأخرى أن تتبع؟ الكاتب «هوتري» R.G. HAWTREY يتعجب من منح دور تنظيم النقد الذي هو من صلاحيات أهم دوائر الدولة الى شركة خاصة!
بالنسبة لمصرف لبنان فإنه وحدة قانونية تتمتع بالاستقلال المالي، غير خاضعة لقواعد الإدارة والرقابة التي تطبق على المؤسسات العامة كمجلس الخدمة المدنية وديوان المحاسبة، وقانون المحاسبة العمومية، والتفتيش المركزي. هذا الاستقلال القانوني والفعلي كبير جداً لدرجة ان البنك يبدو خارج رقابة الدولة. الارتباط الوحيد مع الحكومة هو مفوضية وضعتها وزارة المالية، لكنها مموّلة من البنك نفسه.
ان مبدأ الاستقلال معتمد في الفيديرال ريزيرف (البنك المركزي في الولايات المتحدة) خوفا من تدخّل السياسات في عمليات البنك. تبنى هذا المبدأ نفسه مؤتمر بروكسيل سنة 1920، خوفاً من تسلّط الدولة كما حدث في الحرب العالمية الأولى.
كان فولكر نفسه قد اقترح في أطروحته في جامعة برنستون عدم استقلال البنك وجعله جزءاً من وزارة المالية.
الكاتب «وليم غريدر» WILLIAM GREIDER يرى إن مجرد تأسيس البنك المركزي في الولايات المتحدة يتضمن ان الديمقراطية لا يمكن الركون إليها.
بالإضافة الى الاستقلال هناك الاستنساب الذي يعتبره الكاتب «سايرز» R.S SAYERS روح عمل البنك المركزي. أهمية كبرى أعطيت لاستقلال البنك في العشرينات لكنها قد خفت تدريجياً. للبنك حق في تقديم المشورة والإلحاح عليها، لكنه يبقى دائماً خاضعاً لسلطة الحكومة العليا. أما «لورد كوبولد» COBBOLD فيقول انه بالنهاية تبقى المسؤولية الأخيرة للحكومة. الكاتبة «مارشا ستيغوم» MARCIA STIGUM تقول أن الكونغرس بإمكانه نزع استقلاله في حال تضايق من ارتفاع أسعار الفائدة.
الكاتب غريدر في كتابه الرائج ناقش ان البنك المركزي في الولايات المتحدة يدير البلد، وهو آلية أخرى بديلة عن الحكومة بعيدة عن أصوات المواطنين… تشارك قوة الكونغرس والرئيس لكن أحياناً تعارضهم. إن حكام البنك في الولايات المتحدة يقررون مسائل الاقتصاد بما فيه من سينجح ومن سيفشل، ويبقى دورهم غامضاً. إن البنك محمي من الانتقاد بسبب سريته.
رغماً عن كل القوى الفيديرال ريزيرف هناك حدود لسياسته النقدية لضبط مستوى الأسعار العام. لذلك يجب التوغل في تلك الحدود بما فيها النظرية غير النقدية للنقد. في حديث للكاتب مع السيد «تشارلز سيغمان» CHARLES SIEGMAN المسؤول في الفيديرال ريزيرف اعترف الأخير ان هناك قيودا كثيرة لسياسة البنك النقدية كالسياسة المالية، ومعرفة الاقتصاد، وتحركات أسعار القطع.
يقول الكاتب ستيفن بكنر BECKNER غرينسبان هو أقوى رجل في واشنطن قراراته تهزّ أسواق العالم.
إن هدف هذا الباب هو أن يضاف الى السياسة النقدية سياسات أخرى تحسن تنظيم النقد والأسعار وتعالج كل العوامل (DETERMINANT) التي تؤثر عليها وكذلك تعالج كل القطاعات. نص قانون الفيدرال ريزيرف المعدل في اكتوبر 1991 على تمثيل المناطق والقطاعات بالمقارنة يشمل المجلس المركزي لمصرف لبنان المدير العام لوزارة المالية، والمدير العام لوزارة الاقتصاد الوطني. بالإضافة هناك لجنة استشارية مختارة من القطاعات المصرفية والتجارية والصناعية والزراعية. هناك عوامل تؤثر على العرض النقدي غير خاضعة للبنك المركزي لكنها تتأثر بالجمهور مثل الطلب على النقد ونسبة الودائع الآجلة بالنسبة لودائع الطلب. يقول الاقتصادي «ألفرد مارشال» ALFRED MARCHALL ان الأسعار تتغيّر مباشرة مع حجم النقد في حال كانت الأشياء الأخرى متساوية، لكن الأشياء الأخرى دائماً متغيّرة. تلك العوامل هي الشعب.
لذلك في المعادلة التاريخية للتبادل (MV=PT)، تتوقف (V) وهي سرعة التداول النقدي تتوقف على العادات النقدية للأفراد.
بالنسبة «لغولدن وايزر» GOLDEN WEISER يجب وجود مجلس فيه مختلف دوائر الدولة ليقارن بين السياسات ويوافق على القرارات. العامل البشري هو عائق آخر. الكاتب هوتري الذي يعتبر أن صالح البشر هو عنوان نظرية الاقتصاد.
إن إعادة النظر في تحديدات النقد تبرهن أن النقد يشمل موجودات أكثر من السابق.
بما ان الاقتصاد يتأثر بالسياسة فالنقد لذلك يخضع الى السلطات السياسية بصورة عامة والسلطات النقدية بصورة خاصة. في وقت الحرب حيث يكون النقد ليس فقط من اهتمام البنك المركزي بل من شان السلطات السياسية في هذه الحال يكون البنك المركزي، واحد من مؤسسات متخصصة تحت جناح الحكومة.
ألمحت في الماضي الى فكرة بنك مركزي فوق البنوك المركزية (SUPER CENTRAL BANK) أو الى مؤسسة اقتصادية عليا (SUPER ECONOMIC INSTITUTION) تشمل البنك وكل دوائر الدولة الأخرى ولديها صلاحيات تنفيذ في كل الحقول وذلك لتأمين تأثير أكبر على النقد. الآن يبدو ذلك ممكن أو مرغوب فيه.
مصرف لبنان مملوك من الدولة. الحكومة اللبنانية ليست مجبرة لتمنحه أي امتيازات خاصة أو استقلال مبالغ فيه. إذا كان الملك وليم الثالث، بسبب ظروف خاصة، قد أسّس بنكاً مركزياً، فليس من الضروري للدول الأخرى أن تعتمد ذلك الاختراع عن عمى. إن الاستقلال الكبير والاستنساب والصلاحيات الواسعة الإدارية هي أخطار كبيرة لأي بلد، لكن التغيير بالطبع صعب بسبب قوة الكسل (VIS INERTIAE).
رغماً أن هذا يبدو استفزازياً، فإن الواجب المعنوي أو الأخلاقي يدعو الانسان أن يقول ما يعتقده صحيحاً.