نعم، الحلول موجودة!

كلبنانيين، نميل دوماً للاعتقاد أن وضعنا فريد من نوعه، وأننا يجب أن نعطي العالم بعض الدروس.

لا شك في مستوى معرفتنا الجماعية التراكمية العالي، إلا أن الوقت قد حان لنضع كبرياءنا جانبًا، ونتحلى بالشجاعة الكافية للاعتراف بأخطائنا وبالتواضع للتعلّم من تجارب الآخرين.

في تقرير صدر خلال شهر أيار الماضي، ذكر البنك الدولي أن الانهيار الاقتصادي في لبنان من المرجح أن يكون من بين أكثر ثلاث أزمات شدةً على مستوى العالم في العصر الحديث.

والسؤال هو، كيف يمكننا التعلم من أزمات الآخرين وبناءً على ذلك تحديد العوامل التي يمكن أن تساعدنا، ليس فقط في التعامل مع الفترة الصعبة المقبلة، بل أيضاً في إعادة بناء بلدنا، حتى لا نجد أنفسنا في وضع مماثل في المستقبل؟

إذا نظرنا إلى الأزمات الثلاث الشديدة الحدة (دون الخوض في أسبابها لأنها غير مجدية)، أزمة لندن الائتمانية في أواخر القرن الثامن عشر، الكساد الكبير في الولايات المتحدة منذ أقل من 100 عام أو الانهيار الاقتصادي الآسيوي في العام 1997، هناك عِبَر مهمة مستخلصة من طريقة التعامل معها والتي يمكننا التعلم منها بدلاً من خوض غمار المرحلة المقبلة دون خطة ودفع أثمانها الباهظة.

تظهر جميع الأزمات الشديدة على أثر انهيار القطاع المالي، ودائماً تؤدي إلى تغيّرات اجتماعية وسياسية جذرية في البلدان التي تحدث فيها.

تظهر جميع الأزمات الشديدة على أثر انهيار القطاع المالي، ودائماً تؤدي إلى تغيّرات اجتماعية وسياسية جذرية في البلدان التي تحدث فيها.

ما يحصل اليوم في لبنان، حصل معظمه في كلٍ من الحالات المذكورة أعلاه بغض النظر عن تراتبية الأحداث: تهافت على سحب الودائع من المصارف، هروب رؤوس الأموال، انكماش اقتصادي كبير، ارتفاع هائل في نسبة البطالة، تخلف عن سداد الديون، انخفاض قيمة العملة، ارتفاع نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي وعجز الدولة عن دفع رواتب موظفي القطاع العام، ما دفعها إلى تقليص عددهم بشكل كبير.

أحد الدروس المستخلصة من تحليل هذه الأزمات هو أن عامل الوقت جوهري: فكلما تم اتخاذ تدابير تصحيحية بسرعة، كلما كان وقت التعافي أقصر. وكلما طال الوقت الذي يستغرقه صانعو القرار لاتخاذ الإجراءات اللازمة، زادت تلك الإصلاحات المطلوبة حدةّ، ما يؤدي إلى عواقب اجتماعية أكثر قسوة.

إذاً، لم يتمّ التعاطي مع أي من الأزمات المذكورة أعلاه بليونة. فقد تم تنفيذ سياسات نقدية ومالية صارمة على الفور لوقف الانهيار المالي. وقد تواصلت بعض تلك البلدان في غضون أسابيع من اتضاح أزمتها مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وأطراف أخرى لإطلاق برامج إنقاذ ضخمة. مع مرور الوقت، وبعد مفاوضات أدت إلى مراجعة الشروط في السنوات التالية، سمحت هذه البرامج باستعادة الثقة في تلك الاقتصادات.

وفي كل مرة، تم إعادة تكوين القطاع المصرفي بسرعة مع السماح فقط للبنوك المليئة فقط بالاستمرار وتعويم العملة في نفس الوقت. كذلك، تمّ وضع معايير جديدة للتأمين على حسابات المودعين لتجنب تكرار السيناريوات السابقة، وإنشاء هيئات رقابة لتنظيم القطاع المالي وأسواق الأوراق المالية لمنع التجاوزات وتلافي نقاط الضعف المتأتية من ارتباط قطاع العمل بالسياسة.

في كل من الولايات المتحدة وآسيا، تم تطبيق قوانين مكافحة الاحتكار وحوكمة الشركات وتغييرات تنظيمية شفافة في ذلك الوقت لإنهاء مختلف أشكال الحماية والدعم والامتيازات. جرى تمرير عدد من التشريعات في كل بلد لتشجيع الإنتاج الزراعي والصناعي، وخلق فرص عمل في صناعة الخدمات وتحفيز الانتعاش بغاية جلب العملة الصعبة. وعلى الرغم من هلاك العديد من الشركات، إلا أن الشركات الأخرى التي كانت قادرة على التكيف مع هذه المعايير الجديدة أزدادت قوةً.

كما هو الحال الآن في لبنان، كانت العواقب الاجتماعية في البلدان المأزومة مدمِّرة: ارتفعت معدلات السرقات والجريمة، وكذلك معدلات المرض وسوء التغذية، ووقف الناس في الطوابير للحصول على الخبز والحساء، وانحسرت خدمات الرعاية الصحية والتعليم لأن الكثيرين لم يعد بإمكانهم تحمل تكاليفها، وأدت المشكلات النفسية المتفاقمة إلى ارتفاع معدل الانتحار، وازداد اللجوء إلى الدعارة والإدمان على الكحول وازدادت إساءة معاملة النساء وهجرهنّ، كما انخفضت معدلات الولادات، وارتفعت نسبة التشرد، ما أدى في النهاية إلى موجات من الهجرة.

كلّ حالة من هذه الحالات المذكورة أعلاه هي مأساة في حد ذاتها: اقرأها مرة أخرى وحاول تصوّر حدوثها فعلاً لفهم معناها.

لا يمكننا أن نشدّد بما فيه الكفاية على ضرورة زيادة الوعي بهذا الأمر وأهمية مساندة بعضنا البعض في هذه الأوقات الصعبة، لأننا نقترب جدًا من نقطة اللاعودة التي ستؤدي حتماً إلى الانهيار الكامل للأسر والأجيال والبلد ككل.

الخبر السار هو أن تلك الأزمات لم تنجح في القضاء على بلدانها: اليوم، يتم تصنيف هذه البلدان التي تضررت في أوروبا والولايات المتحدة وآسيا على أنها اقتصادات متقدمة أو في طور التقدم، وقد تعافت جميعها وعادت من حافة الهاوية. كما أدّت ثقافة اليأس إلى بروز أشكال جديدة من التعبير، وأصبحت الفنون أكثر جاذبية واكتسب بعض الأشكال الموسيقية (مثل البلوز) شعبية.

السر في تعافي هذه البلدان لم يكمن في التدخل الخارجي ولا في الجمعيات الخيرية والمنظمات غير الحكومية، ولم يحصل نتيجة الحرب الأهلية أو الفيدرالية. كان الحل سياسياً بامتياز.

ففي هذه البلدان، تحولت #الأزمة الاقتصادية إلى سياسية: سقطت الأنظمة، تمّت الإطاحة بالحكومات، اختفت بعض الأحزاب التقليدية، ونزل المواطنون إلى الشوارع – أحيانًا بعنف – وتغلبوا على إحباطهم في صناديق الاقتراع.

كل هذا أدى إلى تغييرات سياسية جوهرية أفسحت المجال للأحزاب والحركات السياسية والنظريات الاقتصادية الجديدة. أدت أزمة الائتمان في لندن إلى الثورة الأميركية، ونتج عن الكساد الكبير فوز الوجه الجديد فرانكلين روزفلت في الانتخابات بأغلبية ساحقة ليصبح فيما بعد الرئيس الوحيد الذي يتم انتخابه أكثر من مرتين. كذلك، أدّت الأزمة الآسيوية إلى انهيار نظام سوهارتو، قيام نظام إصلاحي جديد في ماليزيا وتشكيل حكومات جديدة في تايلاند وكوريا الجنوبية.

لقد ولّدت كل هذه الحركات الإصلاحية مجموعة واسعة من الهيئات والسياسات التي كان لها آثار عميقة طويلة المدى في ترسيخ دور الحكومة في المجتمع. تم تفعيل أو تحديث الضمان الاجتماعي وضمان المعاشات التقاعدية لكبار السن، وإنشاء نظام للتأمين ضد البطالة والمساعدة في رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة. كما تم تمرير قانون يمنح العمال الحق في تكوين نقابات والمفاوضة الجماعية من أجل ظروف عمل أفضل.

لم تكن هذه الحركات الجديدة مثالية: فبعد تلك الأزمات المالية، اكتسبت الأحزاب اليمينية واليسارية المتطرفة زخمًا وهو خطر يجدر بنا تلافيه. في البداية، كان يُنظر إلى الانهيار المالي على أنه تهديد للنظام الاقتصادي. على الأثر، فضلت الطبقات الوسطى والعليا السياسات المحافظة لحماية نفسها بينما اتجه الفقراء إلى الاشتراكية وتأثروا بالنظريات الشيوعية باعتبارها شريان الحياة.

تلاشى التطرف في نهاية المطاف عندما أدرك الناس أنه لن يؤدي إلا إلى الحرب والدمار وانهيار الديمقراطية. عندما أدركت الأكثرية أن الخلاص يأتي من الوقوف معًا في وجه الفساد والمحسوبية، بدأت أحزاب اليمين واليسار المتطرفين تتراجع، وتقدمت الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية إلى الواجهة.

هذا السيناريو يعطي بارقة أمل من أجل غدٍ أفضل للبنان: لقد أدت الأزمة إلى تسطيح الفروقات الاجتماعية. باستثناء عدد قليل من الأفراد الذين يتمتعون بـ”حماية سياسية”، رأى المواطنون دخلهم ومدخراتهم ومعاشاتهم وقوتهم الشرائية تتلاشى. وقف الجميع في طوابير البنوك والمستشفيات والصيدليات وأصبحوا يعيشون في قلق دائم لتأمين الإحتياجات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والاتصالات.

إن من شأن هذه المعاناة المشتركة التي وحّدت الأحوال، أن تعزز من قدرتنا على الاصطفاف جميعًا حول سياسات إصلاحية بدلاً من السير في طرق التطرف بكافة أوجهه. دعونا نتعلم من النجاحات التي تحققت على أثر كل تلك الأزمات، ونتجنب مآزقها.

دعونا نرفع أصواتنا في الانتخابات النيابية القادمة لإعطاء الفرصة للوجوه الجديدة لبناء لبنان جديد:

مكانٌ تكون فيه العدالة الاجتماعية والاقتصادية واقعاً وتخلق فيه الدولة بيئة داعمة للنمو و#الابتكار.

نظامٌ يسمح للجميع باستثمار طاقاتهم وتطوير إمكاناتهم الاقتصادية، مع تعزيز الرفاهية ومنطق المساواة. اقتصادٌ يبني سياساته على خدمة مصالح الجميع دون تفرقة ويقود المجتمع ككل نحو الازدهار.