كيف نُخرِج لبنان من غرفة العناية الفائقة؟

كتب اسكندر روجيه نجار:
بعد مئة سنة على إعلان “لبنان الكبير”، كنّا نأمل أن يكون لبنان دولة بكل ما للكلمة من معنى، وفقًا لما تمّناه شارل ديغول قبل 90 سنة عندما صرّح في خطابه الشهير أمام طلّاب الجامعة اليسوعية في 3 تموز 1931: “عليكم بناء دولة” (“Il vous faut construire un Etat”) .
أين نحن اليوم من “دولة القانون والمؤسّسات”؟ هذه اليوم دولة فاشلة غير قادرة على تأمين لقمة العيش لأبنائها الذين ينتظرون يوميًا لساعات في الطوابير أمام محطات الوقود والأفران، محرومين من الكهرباء والدواء والمياه والخبز، رازحين تحت ارتفاع جنوني في الأسعار والأقساط المدرسية وتدهور العملة الوطنية وحرمان المودعين من إمكانية التصرّف بأموالهم. مؤسساتنا أصبحت أنقاضًا. المستشفيات والمدارس والجامعات والمؤسسات التجارية على شفير الإقفال أو الإفلاس، والسلطة تتفرّج مكتوفة الأيدي كأن غرق سفينة لبنان هدفٌ تستفيد منه جهات رافضة أصلًا الكيان اللبناني، أو كأن قدرنا هو العيش باستمرار “على كفّ عفريت”. إننا نموت ألف مرّة ونحيا، كبيروت في قصيدة ناديا تويني، و”لا داعٍ للهلع” طالما أن لنا قدرةً على التحمّل والنسيان والتأقلم (Résilience) تمكّننا من الصمود بدون مساعدة هذه الدولة الفانية والمتآمرة.
أما القضاء، فحدّث ولا حرج: التشكيلات القضائية مجمّدة، قانون استقلالية السلطة القضائية لم يبصر النور، مجلس القضاء الأعلى يعاني من عدم اكتماله، التفتيش القضائي مشلول، المداخلات السياسية مستمرة، حالات تمرُّد غير مسبوقة من قضاةٍ غير آبهين للهرمية والتسلسل القضائي، فضلًا عن قصف عشوائي يتناول المحقق العدلي لعرقلة مهامه، وعن تقديم عدد كبير من القُضاة استقالتَهم لمغادرة البلاد بعدما أصبحت رواتبهم لا تكفي لتأمين أبسط حاجاتهم. وتكلّل هذا الوضع بإضراب المحامين لسوء تطبيق المادة 111 فقرة “هـ” من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتطاول على حصانة المحامي التي هي من مقوّمات المهنة إذ تحصّنها ضدّ التهويل والتطاول والاستنسابية.
إزاء هذا الواقع الكارثي الذي لا مثيل له فـي تاريـخ لبنـان الحديـث، حـتى خـلال أيام الحرب، ما الحلول المتاحة؟
أولًا: إطلاق الحكومة الجديدة خطّةً إنقاذيةً تجنّد جميع الطاقات الحيّة في لبنان وخارجه للنهوض بالاقتصاد وإعادة الأموال للمودعين وإيجاد حلّ لمشكلة النازحين التي ترهق اقتصادنا ولا يعالجها المجتمع الدولي. صحيح أن بعض البلدان الشقيقة ترفض المساعدة لأسباب سياسية معروفة، بيدَ أن المساعدات قد تأتي من مصادر تمويل أخرى كالاتّحاد الأوروبي والبنك الدولي وجهات مانحة التزمت تجاه الرئيس الفرنسي ماكرون بدعم لبنان غداة تفجير مرفأ بيروت شرط تحقيق إصلاحات لا بدّ منها.
ثانيًا: عقد مؤتمر وطني يجمع الجسم القضائي ونقابة المحامين تحت رعاية وزارة العدل لإيجاد حلول جذريّة لجميع المشاكل المطروحة، تزامنًا مع إنجاز التشكيلات القضائية والمصادقـة الفوريـة علـى قانون استقلالية القضاء وهو أصبح مطلبًا شعبيًا لا يمكن التغاضي عنه.
ثالثًا: إطلاق خطّة شاملة تشارك فيها جميع الوزارات لدعم الشباب لتمكينهم من إيجاد فرص عمل وعدم اللجوء إلى الهجرة يأسًا أو إحباطًا، وتحفيزهم بتخصيص جزء من المساعدات الآتية لمشاريعهم التجارية والاجتماعية والثقافية والفنيّة. وعلى وزارة التربية اتّخاذ تدابير فورّية للحدّ من ارتفاع الأقساط المدرسيّة والمصاريف المرتبطة بها، ومنها النقليات، للحدّ من معاناة الأهالي.
رابعًا: وضع خطّة صحيّة لدعم المستشفيات وتأمين الأدوية لها وللصيدليات بعيدًا عن الاحتكار، والحدّ من هجرة الأطبّاء والممرّضات.
إننا على ثقة بأن إدارة بلد صغير كلبنان لا تتعدى مساحته مساحة الجيروند في فرنسا، ليست مستحيلة برغم العقبات والخلافات السياسية والمهاترات ومواقف البعض العدائية أو المتشنّجة. ولعلّ أسرع حلّ هو في الانتخابات المقبلة بوصول جيل جديد ونخبة شخصيات نظيفة الكفّ، ثم انتخاب رئيس جديد للبلاد يُعيد الثقة الدولية ويسهر على حُسن سير مرافق البلد.
لقد حان وقت ضخّ دم جديد في شريان لبناننا لإخراجه من غرفة العناية الفائقة، قبل فوات الأوان.