دمج الشركات النفطية… خطوة صحيحة وتحدياتها كبيرة

أكد عدد من القيادات النفطية السابقة في القطاع النفطي المحلي، أن قرار دمج الشركات المحلية وإعادة هيكلة القطاع يعدّ خطوة في الاتجاه الصحيح، متمنين أن يحقق الدمج أهدافا رئيسية، مثل تخفيض التكاليف، خصوصا التشغيلية، إضافة الى تحسين الأداء.

وقالوا في تصريحات متفرقة لـ «الجريدة» إن استراتيجية القطاع للوصول الى قدرة إنتاجية بحوالي 4 ملايين برميل نفط يوميا، تتطلب أسلوب عمل متطورا إذا أراد القطاع تحقيق معدل الإنتاج المستهدف.

وأشاروا الى أن من أهم التحديات التي تواجه قطاع الاستكشاف والإنتاج أن معظم الزيادة في القدرة الإنتاجية المستهدفة سيأتي من حقول صعبة الإنتاج مستقبلا، مما يعني أن ذلك الأمر يتطلب تكاليف رأسمالية وتشغيلية كبيرة.

في الوقت نفسه، شددت القيادات على أن أي هيكلة قادمة يجب أن تختار ما بين العودة للوضع السابق باستقلالية الشركات ودمج المتشابه منها، أو الغاء الكيانات القانونية لتلك الشركات ودمج الأنشطة كقطاعات تحت لواء المؤسسة.

وبينوا أن فكرة الدمج وإعادة الهيكلة ليست جديدة، وقد لجأت إليها شركات كبيرة وصغيرة في الماضي، وقد فرضتها ظروف تشغيلية صعبة وأزمات اقتصادية حادة مرت على العالم، كما حدث بعد تراجع أسعار النفط من 20 دولارا عام 1996 ووصلت الى أدنى سعر لها وهو 9 دولارات للبرميل، وذلك مع انهيار الاقتصاد الآسيوي عام 1998، الأمر الذي أدى الى ظهور بوادر عدة لعمليات اندماج واستحواذ بين كبريات الشركات النفطية العالمية، مثل «أكسون – موبيل»، و«كونوكو – فيليبس»، و«توتال – إلفا». وفيما يلي التفاصيل:

بداية، أكد عضو المجلس الأعلى للبترول سابقا، محمد الهاجري، أن أهم ما تحتاج إليه المؤسسة هو إعادة هيكلة جهازها المتضخم والمترهّل، والذي أدى الى تداخل الاختصاصات بين بعض إداراتها والإدارات المتشابهة بالشركات التابعة، مما انعكس سلباً؛ أولا على النواحي الفنية وغياب العدالة وتكافؤ الفرص، وثانيا على التكلفة العالية لبند الرواتب والمزايا لتشابه وتكرار الإدارات والمهام، بدءا من جهاز التخطيط الذي سلب اختصاص إدارات التخطيط بالشركات، مرورا بالقوى البشرية والمالية والقانونية والعلاقات العامة والإعلام.

وقال الهاجري إن كل ذلك أدى الى ضمور الاستقلالية المطلوبة بأعمال الشركات التابعة، وأضاع المسؤوليات فيما بين أجهزة المؤسسة والشركات التابعة.

وأضاف أنه لا يمكن الاستمرار بالهيكل الحالي، معتبرا أنه هيكل شاذ للمؤسسة وشركاتها.

وأشار الى أنه في وقت تخضع المؤسسة لقوانين الخدمة المدنية، فإنّ الشركات تقوم على أساس الشركات التجارية، ولها قانون خاص بالقطاع النفطي.

وشدد على أن أي هيكلة قادمة يجب أن تختار بين العودة إلى الوضع السابق باستقلالية الشركات ودمج المتشابه منها، أو إلغاء الكيانات القانونية لتلك الشركات، ودمج الأنشطة كقطاعات تحت لواء المؤسسة؛ استخراج، وتكرير، وبتروكيماويات، وتسويق عالمي، ومبيعات محلية.

تضخم الكوادر

وقال إن استمرار الوضع الهجين للمؤسسة وشركاتها لن يخدم هذا القطاع ولن يصحح الاختلالات التي نجمت عن هيمنة المؤسسة وتضخّم كوادرها وفرض قراراتها على الشركات التابعة، لافتا الى أن ذلك جعل مجالس إدارات الشركات مجرد مجالس شكلية لا قرار لها.

وذكر أن كل القرارات والخطط والمشاريع تخضع لرأي أجهزة بالمؤسسة قد تكون أقل مهنية من تلك التي بالشركات، لافتا الى أن هذا ما انعكس كذلك على تجهيز وتطوير القيادات داخل القطاع، وإلى تراجع مستوى الأداء.

واختتم الهاجري بالقول إن ما حدث في السنوات السابقة مخالف لقانون إنشاء المؤسسة، وللقوانين التي تخضع لها الشركات النفطية.

تحسين الأداء

من جهته، أكد الرئيس التنفيذي الأسبق في مؤسسة البترول الكويتية فاروق الزنكي، أن قرار دمج الشركات المحلية خطوة في الاتجاه الصحيح، متمنياً أن يحقق الدمج أهدافا رئيسية مثل تخفيض التكاليف، خصوصا التشغيلية، بالإضافة إلى تحسين الأداء.

وقال الزنكي إن القطاع النفطي، خصوصا قطاع الاستكشاف والإنتاج يواجه تحديات فنية كبيرة، الأمر الذي يحتاج معه النظر إلى أمور أخرى، بالإضافة إلى عمليات الدمج المزمعة.

وأضاف أن استراتيجية القطاع للوصول إلى قدرة انتاجية بحوالي 4 ملايين برميل نفط يوميا، تتطلب أسلوب عمل متطورا، إذا أراد تحقيق معدل الإنتاج المستهدف.

وأشار إلى أن من أهم التحديات التي تواجه «الاستكشاف والإنتاج» أن معظم الزيادة في القدرة الإنتاجية المستهدفة ستأتي من حقول صعبة الإنتاج مستقبلا، مما يعني أن ذلك الأمر يتطلب تكاليف رأسمالية وتشغيلية كبيرة، منوها إلى أن من أهم هذه المشاريع ضخ المياه والبخار، وتركيب مضخات غاطسة داخل الآبار، بالإضافة إلى إدارة ومعالجة كميات كبيرة من المياه المصاحبة للنفط.

صلاحيات واسعة

وتابع الزنكي «لذلك يجب اعطاء قطاع الاستكشاف والإنتاج الدعم الكامل، حيث يشتمل ذلك الدعم على عدة أمور، أهمها الاستعانة بخبرات فنية أجنبية لها باع طويل في تطوير الحقول، بالإضافة الى منح القطاع صلاحيات واسعة تمكنه من تنفيذ المشاريع الإنتاجية المطلوبة بأقل التكاليف وفي الوقت المستهدف».

وشدد على ضرورة تبني القطاع في أحد أهدافه القريبة والبعيدة سياسة إنتاج الطاقة النظيفة، وخلق التكامل المتوافق من إنتاجها، ومنع انبعاث الكربون وحقنه لدعم الإنتاج لتخزينه وتقديره واستخدامه محليا في انتاج الكهرباء ووسائل النقل العام.

استكشاف وإنتاج

من ناحيته، قال الخبير المتخصص في تكرير وتسويق النفط ومدير التسويق في مؤسسة البترول سابقا، عبدالحميد العوضي، «من المعروف أن القطاع النفطي الكويتي يمارس العديد من الأنشطة المختلفة والمتشابهة المتعلقة بالصناعات النفطية، منها على سبيل الذكر، عمليات استكشاف وإنتاج النفط والغاز الطبيعي محليا وعالميا، وكذلك عمليات تكرير النفط واسالة الغاز داخليا وخارجيا، وعمليات تصنيع البتروكيماويات، بالإضافة إلى عمليات التسويق العالمي والمحلي والنقل البحري الدولي، وذلك من خلال 7 شركات نفطية تعمل تحت مظلة مؤسسة البترول الكويتية».

وأضاف انه مما لا شك فيه أن بيئة عمل هذه الأنشطة النفطية المتباينة في نشاطها تحيط بها مخاطر عديدة مثل المتغيرات الجيوسياسية، ومتانة وضعف الاقتصاد العالمي، وكذلك تذبذب أسعار النفط والغاز، وأسعار المنتجات البترولية والبتروكيماوية، وكلها في مجملها مخاطر تؤثر سلبا وايجابا على الاداء العام في عمليات النفط.

وأشار العوضي إلى أن فكرة الدمج وإعادة الهيكلة ليست جديدة، وقد لجأت إليها شركات كبيرة وصغيرة في الماضي فرضتها ظروف تشغيلية صعبة وأزمات اقتصادية حادة مرت على العالم، كما حدث بعد تراجع أسعار النفط من 20 دولارا عام 1996 ووصلت إلى أدنى سعر لها 9 دولارات للبرميل، مع انهيار الاقتصاد الآسيوي عام 1998، الأمر الذي أدى الى ظهور بوادر عدة لعمليات اندماج واستحواذ بين كبرى الشركات النفطية العالمية مثل «اكسون – موبيل»، و»كونوكو – فيليبس»، «توتال – إلفا».

فكرة الدمج

وأوضح انه في ذلك الوقت برزت في دائرة الضوء فكرة دمج الشركات النفطية الكويتية أول مرة عام 1999 في عهد وزير النفط الراحل الشيخ سعود الناصر الصباح، لتحويل الشركات النفطية إلى قطاعات ودمجها مع قطاعات المؤسسة وخصخصة شركات ذات أداء متدن مثل ناقلات النفط وصناعات الكيماويات البترولية، مع احتفاظ المؤسسة بحصة في كلتا الشركتين.

وتابع قائلا «كانت المؤسسة حينئذ ضمن قائمة أكبر 10 شركات نفطية عالمية، والآن خارج التصنيف»، لافتا إلى أن فكرة الدمج عادت مرة أخرى للظهور عام 2008، بعد انهيار أسعار النفط من 140 دولارا إلى 34 دولارا للبرميل، وذلك مسمى مشروع الرؤية.

ولفت العوضي الى أنه بعد 22 عاما يعود مشروع الدمج عقب أزمة كورونا وهبوط سعر النفط من 70 دولارا للبرميل في أبريل 2019 الى 9 دولارات في أبريل 2020، موضحا أن النتائج السلبية لبعض الشركات النفطية، مثل شركة نفط الخليج، نتيجة توقف الإنتاج لمدة 5 سنوات، وكذلك شركة البترول العالمية، وخسائر مصفاة فيتنام، وأيضا شركة الاستكشافات الخارجية وخسائر مشاريع رأسمالية قد تكون سببا رئيسا في سرعة اتخاذ القرار.

وأكد أن قرار دمج الشركات النفطية الكويتية صائب وخطوة جيدة نحو بناء مستقبل أفضل واستغلال أمثل للثروة النفطية وتنمية أشمل لمصالح الدولة، مبينا ان كل ذلك مرهون بالتنفيذ الجاد لجني الفوائد المتوقعة، معربا عن خشيته من أن تؤدي خارطة طريق الدمج إلى جادة لترسيخ المحسوبية والشللية واللا مهنية في العمل، وان تحيد عن بلوغ أهدافها المرجوة للقطاع النفطي.

ولفت إلى أن المؤسسة باشرت عملية الدمج بضم شركة تزويد الطائرات بالوقود إلى شركة البترول الوطنية بعد إغلاق مصفاة الشعيبة عام 2017 لتحسين أرباحها، كما ألغت شركة التنمية النفطية وشركة خدمات القطاع النفطي، مضيفا أنه من المستغرب أن نرى إنشاء شركات جديدة ويتم إلغاؤها لاحقا، وكذلك الحال مع شركة كيبيك وعودة دمجها مع «البترول الوطنية».

توجهات استراتيجية

وشدد العوضي على ضرورة مراعاة عدة أمور في عملية الدمج، منها التوجهات الاستراتيجية للمؤسسة 2040، مع إجراء التعديلات المناسبة، ومشاريع الخصخصة المستقبلية، وأن تراعي الأسس التجارية والتشريعات البيئية المعمول بها دوليا.

وأشار إلى أن الكلفة العالية للمشاريع النفطية ترفع كلفة البرميل المبيع، مبينا أنه من المعلوم أن المؤسسة صرفت منذ سنوات حتى الآن حوالي 65 – 70 مليار دولار ولا نعرف كم بلغ مردودها المالي؟ وعدد الفوائد المتوقعة من عمليات الدمج واعادة الهيكلة، والمتمثلة في الآتي:

1 – تقليل المصروفات العامة بنسبة 20 – 30% لتعزيز ربحية مؤسسة البترول.

2 – تسريع وتيرة إنجاز المشاريع المتأخرة وتعزيز عملية التكامل بين القطاعات الرئيسية.

3 – تخصيص بعض العمليات والمصانع لمصلحة القطاع الخاص.

4 – احتمالية إلغاء وزارة النفط وضم إداراتها إلى وزارة المالية أو وزارة الكهرباء.

5 – احتواء الخسائر المتراكمة والخسائر المتوقعة وخفض كلفة إنتاج النفط الخام.

وأوضح أن عملية الدمج رغم فوائدها لها جوانب غير مرغوبة، يترتب عليها إلغاء عدة إدارات ذات نفس المهام في الشركات المدمجة، مثل الموارد البشرية، المالية، القانونية، العلاقات العامة والتخطيط وتقليص عدد المناصب العليا والوسطى، وقد يؤدي هذا الإجراء الى إحالة عدد من القيادات للتقاعد الايجابي الذي يخدم المصلحة العامة.

إدارة متميزة

بدوره، انتقد الخبير النفطي كامل الحرمي الإجراءات التي ستتخذها مؤسسة البترول الكويتية سواء في عمليات إعادة الهيكلة أو الدمج، مرجعا اسباب ذلك الى عدم وجود ادارة تتميز بالكفاءة في القطاع النفطي لادارة مثل ذلك الملف.

وتساءل: «ما الفائدة من زيادة الأسعار التي فاقت 80 دولارا للبرميل ونحن نتحدث عن زيادة الإنتاج منذ سنوات كثيرة ولا يوجد أي تقدم في ذلك الامر؟ ألم يكن من الأجدر ترتيب الأولويات بشكل مبدئي ومن ثم البحث في إعادة الهيكلة وعمليات الدمج؟»، معتبرا أن ما يحدث في القطاع النفطي برمته نوع من الفوضى والعبثية في اتخاذ القرارات، مشددا على ضرورة اختيار إدارة جيدة للقطاع تحدث نقلة نوعية بعيدا عن تلك المهاترات التي تتم بدون دراسات واعية ومتعمقة.

جريدة الجريدة – الكويت
كتب الخبر: أشرف عجمي