«الاقتصاد الأخضر».. ضرورة للمستقبل

نقاشات ثرية جرت خلال فعاليات معرض «إكسبو 2020 دبي»، وتضمنت إجابات عن عدد من الأسئلة التي تختص بالتحول إلى مفهوم الاقتصاد الأخضر كضرورة حتمية، وعلى مدار الأيام الماضية شهد المعرض مشاركة واسعة من قبل خبراء دوليين ومحليين، خلال الدورة السابعة من القمة العالمية للاقتصاد الأخضر التي نظمتها هيئة كهرباء ومياه دبي والمنظمة العالمية للاقتصاد الأخضر، حيث تم تناول أهم وأحدث القضايا العالمية في هذا الشأن.
وتم خلال القمة استعراض الجهود الناجحة لدولة الإمارات لتعزيز التنمية المستدامة، وتحقيق مستهدفات الاقتصاد الأخضر، وتمت الإجابة عن عدد من الأسئلة حول مفهوم الاقتصاد الأخضر، وهي دور الأمن الغذائي في تحقيق التنمية المستدامة، وكيفية الاستفادة من الحلول الابتكارية لمواجهة تحديات المناخ، وما هو دور الشباب في مجال العمل المناخي، وماهي سبل تنويع مصادر إنتاج الطاقة النظيفة، إلى جانب أفضل السبل لخفض الانبعاثات الكربونية، والاستثمار الأمثل في الطاقة المتجددة، وأخيراً سياسات الاقتصاد الأخضر، وهل يتعارض تحقيق النمو الاقتصادي مع الحفاظ على البيئة؟

تعزيز التنمية المستدامة

أثبتت تداعيات جائحة (كوفيد-19) مدى أهمية الأمن الغذائي، بوصفه جزءاً محورياً لتحقيق الرفاه لشعوب العالم، وضرورة ملحّة لضمان مواصلة عمل القطاعات الحيوية، وتلبية المتطلبات التنموية في كافة المجالات.  واستعرضت القمة جهود دولة الإمارات في تقديم حلول عالمية مستدامة تسهم في تحسين حياة الإنسان في كل مكان، وترسخ مكانة الدولة كمركز عالمي رائد للأمن الغذائي القائم على الابتكار والمعرفة، وكذلك جهودها للتغلب على التحديات التي تواجه الأمن الغذائي العالمي، ومنها مبادرات نوعية مثل مشروع «وادي تكنولوجيا الغذاء» في دبي، والذي يعد من المبادرات الكبيرة التي تسهم بشكل فعال في تطبيق أساليب الهندسة الوراثية الزراعية وأنماط الزراعة المائية والعمودية لضمان الأمن الغذائي للسكان. وأكد المشاركون أن الرؤية الاستشرافية للقيادة الرشيدة أسهمت في الحفاظ على منظومة الرفاه الإماراتية، وضمان حصول جميع المواطنين والمقيمين على أرض الإمارات الطيبة على الغذاء الآمن ذي القيمة الغذائية المتاح للجميع في كل الأوقات، مشيرين إلى أن الأمن الغذائي يمثل أحد أهم الركائز الاستراتيجية لتعزيز التنمية المستدامة وتحقيق مستهدفات الاقتصاد الأخضر في دولة الإمارات، ولهذا الغرض أولت الإمارات أهمية كبرى لدعم قطاع الغذاء من خلال البنية التحتية المتطورة وتوظيف التكنولوجيا الحديثة من أجل زيادة الإنتاج المحلي واستدامته.

الابتكار وتحديات المناخ
تعمل الإمارات على تحفيز إيجاد حلول ابتكارية لأهم التحديات التي يفرضها تغير المناخ، ولهذا الغرض تم ضمن فعاليات القمة تنظيم تحدي «كلايماثون» لتحفيز رواد الأعمال والمبتكرين على تقديم حلول ابتكارية لتطوير التكنولوجيا النظيفة لحل تحديات الاستدامة في ثلاثة مجالات هي: الأعمال التجارية الزراعية، وتلوث الهواء، والتنقل. ويعد تحدي «كلايماثون 2021»، مبادرة تستضيفها المنظمة العالمية للاقتصاد الأخضر، بالتعاون مع وزارة التغير المناخي والبيئة وشركة «إيديانكو»، حيث يتم تنظيم التحدي حضورياً، خلال القمة، وافتراضياً في عدد من المدن العالمية، بهدف تحويل التحديات المتعلقة بالمناخ إلى فرص واعدة، عبر العمل عن قرب مع المبتكرين من حول العالم لإيجاد حلول عالمية مؤثرة لمعالجة أهم التحديات التي تواجه العالم.

دور محوري للشباب
تضمنت محاور القمة العالمية للاقتصاد الأخضر، دور الشباب باعتبارهم الطاقة الرئيسة المحركة للجهود العالمية في مجال العمل المناخي. وحرص «إكسبو 2020 دبي» على أن يكون الأسبوع الأول من فعالياته العالمية تحت شعار «المناخ والتنوع الحيوي»، ما يعد رسالة قوية ومؤشراً واضحاً على اعتبار قيادة دولة الإمارات دعم جهود العمل المناخي العالمي أولوية مركزية. وخلال الفعاليات وجهت الإمارات، دعوة لزوار الحدث العالمي للانضمام لجهود مجلس الشباب العربي للتغير المناخي من أجل التصدي لتحديات التغير المناخي، مؤكدة أن الشباب العربي يتميز بأنه مرن، ومبدع، ويمتلك قيم الاستدامة والحفاظ على البيئة في هويته وثقافته وتراثه، ولدية الشغف والالتزام بالقضايا التي تهمه. وللاستفادة من قدرات الشباب المحركة للجهود العالمية في مجال العمل المناخي، تم إطلاق مجلس الشباب العربي للتغير المناخي، كمنصة تمكّن الشباب في العالم العربي من المشاركة في جهود العمل المناخي وحماية البيئة، وتعزيز التعاون الإقليمي في العمل من أجل المناخ.

سياسات الاقتصاد الأخضر
أجاب المشاركون في القمة العالمية للاقتصاد الأخضر عن عدد من الأسئلة التي كانت مثار جدل في الماضي، وأهمها وجود تعارض بين الحفاظ على البيئة وتحقيق النمو الاقتصادي. وقال المشاركون في القمة: إن العالم يواجه واحداً من أكبر تحدياته على الإطلاق والمتمثل في الحد من الانبعاثات الضارة لمنع ارتفاع درجة حرارة الأرض لأكثر من 1.5 درجة مئوية بحلول عام 2030.
وأضافوا، أن تحقيق مستقبل مستدام للأجيال الجديدة، يتطلب الانتقال الفوري إلى منظومة الاقتصاد الأخضر والاعتماد عليه، فالاقتصاد هو المستقبل، ولا يجب التعامل مع مسألة التغير المناخي من خلال محاربة الاقتصاد.
وأكدوا أنه من المهم عدم الاكتفاء بوضع المعايير التنظيمية للتعامل مع مسألة التغير المناخي، ويجب بناء الاقتصاد الأخضر على أساس الشراكة بين الدولة ومجتمع الأعمال، ما يتيح اتخاذ قرارات استثمارية تراعي ذلك، موضحين أن الوصول لصافي انبعاثات كربونية (صفري) يتطلب تحول في طريقة تنظيم المجتمعات والاقتصادات، دون إغفال حقيقة أن معالجة تهديد التغير المناخي ستتيح فرصاً غير مسبوقة، إذا ما تم تبني العلم والابتكار.

خفض الانبعاثات الكربونية
يتسبب إنتاج الطاقة بنحو 25 % من انبعاثات الكربون حول العالم، بحسب تقديرات الوكالة الدولية للطاقة. وتحرص دولة الإمارات على خفض انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون بهدف تعزيز تنافسيها عبر انتهاج مفاهيم التنمية المستدامة، وتستهدف استراتيجية الإمارات للطاقة 2050 خفض الانبعاثات الكربونية من عملية إنتاج الكهرباء بنسبة 70 %، خلال العقود الثلاثة المقبلة، وتوليد 50 % من الطاقة عبر مصادر خضراء. وأسهمت جهود الدولة في تحقيق خفض كبير في الانبعاثات الكربونية في دبي، حيث انخفض صافي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في إمارة دبي بنسبة 22 % في عام 2019، قبل عامين من الموعد المستهدف في استراتيجية دبي للحد من الانبعاثات الكربونية 2021 لتخفيض الانبعاثات بنسبة 16 % بحلول عام 2021. ويرجع نجاح دبي في تخفيض الانبعاثات الكربونية إلى تبني المشاريع الخضراء المتنوعة، وإعادة تأهيل 5 آلاف مبنى بدبي وتحويلها إلى مبان خضراء، وكذلك العمل على تحقيق الرؤية الطموحة لقيادة الدولة في إطار الاستراتيجيات الاتحادية والمحلية بما في ذلك رؤية الإمارات 2021، ومئوية الإمارات 2071، وخطة دبي 2021، والمشاريع التي تستهدف أن تكون دبي المدينة الأقل في البصمة الكربونية على مستوى العالم بحلول عام 2050 وفي مقدمتها مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية. ويتطلب خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون إجراءات متزامنة على عدة جبهات، مثل: إزالة الكربون من عمليات إنتاج الطاقة، وتعزيز كفاءة استهلاك الطاقة، واعتماد سلوكيات صديقة للمناخ.

تنويع مصادر إنتاج الطاقة النظيفة
استعرضت القمة عدداً من المشاريع الكبرى لدولة الإمارات لتنويع مصادر إنتاج الطاقة النظيفة، والتي تشمل الطاقة الشمسية الكهروضوئية والطاقة الشمسية المركزة، والهيدروجين الأخضر باستخدام الطاقة المتجددة، والطاقة المائية المخزنة، إضافة إلى دراسة استغلال طاقة الرياح.
وأجمع المشاركون في القمة على أن دولة الإمارات خطت خطوات مهمة في الانتقال إلى مشهد الطاقة الجديد الذي تعد مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة من أهم مُقوِماته.
ويقدر حجم استثمارات دبي في الاقتصاد الأخضر بنحو 40 مليار درهم، وتنتج دبي في الوقت الحالي 1630 ميجاوات من الطاقة الشمسية، منها 330 ميجا من مبادرة «شمس دبي» التي تهدف إلى تشجيع أصحاب المنازل والمباني على تركيب الألواح الشمسية الكهروضوئية لإنتاج الطاقة النظيفة وربطها بشبكة الهيئة، ونحو 1310 ميجاوات من مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية، لتصل نسبة القدرة الإنتاجية للطاقة النظيفة ضمن مزيج الطاقة في دبي إلى نحو 10% حالياً، حيث ارتفعت القدرة الإنتاجية للهيئة إلى 13200 ميجاوات من الكهرباء، و490 مليون جالون من المياه المحلاة يومياً.
ومن المقرر أن تصل القدرة الإنتاجية لمجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية، أكبر مجمع للطاقة الشمسية في موقع واحد على مستوى العالم، إلى 5000 ميجاوات بحلول عام 2030.

الاستثمار في الطاقة المتجددة
تم تصنيف إمارة دبي من بين أفضل 20 مدينة حول العالم للاستثمار الأجنبي المباشر في قطاع الطاقة المتجددة.
وتشير التقديرات إلى أن قطاع الطاقة الشمسية سيساهم بنسبة تصل إلى 5.5 % في نمو الناتج المحلي الإجمالي ويخلق 160 ألف فرصة عمل بحلول عام 2030.
وتسير دبي على الطريق الصحيح لتصبح الاقتصاد الأخضر الرائد في المنطقة، مدفوعة بأكثر من 100 مليار درهم من المنح والتمويل، يتضح التزام دبي القوي بمكافحة تغير المناخ من استثماراتها في الاقتصاد الأخضر والتطورات المستدامة.
وأعلن المجلس الأعلى للطاقة في دبي – ضمن تقريره السنوي- النتائج التي حققتها استراتيجية دبي لإدارة الطلب على الطاقة والمياه 2030 خلال العام 2020، حيث بلغت نسب الوفورات في استهلاك الكهرباء 11.8 % وفي استهلاك المياه 7.9 %، مقارنة بمعدلات الاستهلاك العادية، بما يساوي 5.4 تيراوات ساعة من الكهرباء و9.9 مليار جالون من المياه، وبما يعادل 11.5 مليون طن متري من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنوياً، والذي بدوره يعادل إزالة 1.2 مليون مركبة من طرق دبي لعامين كاملين.

جريدة الاتحاد – أبوظبي
حسام عبدالنبي (دبي)