ترقّب الخطّة الحكوميّة قبل نهاية العام

كتب مجد بو مجاهد في ” النهار”؛

يتمحور اهتمام اللبنانيين وشغلهم الشاغل بعد تأليف الحكومة الجديدة ونيلها الثقة، حول مواكبة منحى “رقصة” سعر الصرف صعوداً أو هبوطاً في ظلّ عدّة عوامل من شأنها أن تضطلع بدور مؤثّر في ارتفاعه أو انخفاضه.

ويُعتبر إجراء رفع الدعم بمثابة المعيار الأبرز الذي من شأنه التأثير على واقع سعر الصرف في هذه المرحلة. وتأتي الثقة على رأس العناوين الكبرى التي تتحكّم بعامل العرض والطلب على صعيد توجّهات المواطن اللبناني. ويتمثّل العامل الأساسيّ الذي من شأنه أن يرسم مسار الليرة اللبنانية في الأشهر المقبلة بواقع العمل الحكوميّ، والقدرة على الإسراع في وضع خطّة متماسكة تساهم في التوصّل إلى برنامج إنقاذيّ من شأنه أن يضخّ السيولة في شرايين لبنان الاقتصادية. ويشبّه اقتصاديون عناوين المشهد المرتقب بالتزاحم والتسابق بين الورشة الحكوميّة من جهة وسعر الصرف من جهة ثانية، على طريقة أنّ كلّ تقدّم في العمل الوزاريّ من شأنه أن يقرّب موعد التوصّل إلى اتفاق مع صندوق النقد. فهل تنجح الحكومة في سباقها مع واقع البلاد المتردي اقتصاديّاً؟ وإلى أي مدى في مقدورها المضيّ في عملية فرملة الانهيار والتوصّل إلى منحى أقرب إلى الاستقرار في سعر الصرف؟

تؤكّد مصادر مالية مسؤولة لـ”النهار” جديّة التحضير حكوميّاً لانطلاقة المفاوضات مع صندوق النقد الدوليّ بعد اتصال أوليّ حصل بين المكوّنين. وقد طلبت خلاله الحكومة المباشرة في عملية التفاوض، فيما باشر الفريق الوزاريّ عمله في إطار وضع مجموعة البنود والإجراءات المطلوبة في الموازنة المقبلة. وتضع الاتصال في خانة إطلاق عجلة التفاوض مع صندوق النقد على أن تباشر الحكومة مهمّة تحضير خطّة اقتصادية وعرضها على الصندوق في المرحلة المقبلة. وإذا كانت التساؤلات المتعلّقة بالمرحلة الحالية ترتبط بالمنحى الذي يمكن أن يتّخذه سعر صرف الدولار في الأسابيع المقبلة، فإنّ رفع الدعم عن المحروقات سيؤدي عمليّاً إلى زيادة الطلب على العملة الصعبة لدى الصرّافين، انطلاقاً مما تعبّر عنه المصادر المالية، بما يعني ترجيح الاتجاه نحو ارتفاع إضافيّ في سعر الصرف بعدما كان استقرّ في الأيام الماضية على ما يقارب 17500 ليرة لبنانية بعد رفع الدعم عن المازوت. ويُرتقب أن يشهد ارتفاعاً إضافيّاً مع توجّه الشركات قريباً إلى شراء العملة الصعبة من الصرّافين لاستيراد البنزين.

لكن، تبقى الخطوة الأساس التي ستحدّد مسار سعر الصرف على المدى البعيد في قدرة الحكومة على النجاح خلال مفاوضاتها مع الصندوق. ويساهم إسراع الحكومة في إعداد الخطّة الاقتصادية وإطلاق عجلة المفاوضات مع صندوق النقد في تدفّق الأموال إلى البلاد. إذ تقدّر المصادر أن يحصل لبنان على قروض من الصندوق قد تتراوح ما بين 4 و10 مليارات دولار بين الحدّين الأدنى والأقصى. ويحفّز نجاح المفاوضات الدول المانحة إلى تقديم قروض طويلة الأجل من جهتها أيضاً. ويساهم تدفّق الأموال إلى لبنان وفق الصورة المعبّر عنها في المساعدة على خفض سعر الصرف الذي يرتبط بعامل الثقة، بحيث ترى المصادر الاقتصادية إمكان أن يتراوح ما بين 10 و12 ألف ليرة في حال النجاح اللبناني باستثمار الأموال وتعزيز القطاعات الانتاجية والطريقة التي ستتعامل من خلالها الحكومة مع إنفاق القروض التي ستحصل عليها. وتبقى هذه التفاصيل مرتبطة أوّلاً بعمل الحكومة وقدرتها على التوصّل إلى خطّة جديّة وموحّدة للتفاوض مع صندوق النقد.

وإذا كان ثمّة عدد من القرّاء الاقتصاديين الذين يعبّرون عن جديّة في تعامل الحكومة مع المقاربة الاقتصادية حتى اللحظة، فإنّ أوساطاً سياسية مقرّبة من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي تشير لـ”النهار” إلى أنّ المرحلة التحضيرية للتفاوض مع صندوق النقد قد انطلقت بشكلٍ عمليّ، علماً أنه لا يزال من المبكر الإشارة إلى المرتكزات أو المسائل التفصيليّة التي ستتضمّنها الخطّة الاقتصادية التي ستعدّها الحكومة، بانتظار ما سيرشح عن الاجتماعات الحكوميّة المرتقبة التي ستتّخذ طابعاً مكثّفاً في هذا الصدد خلال الأسابيع المقبلة. وترجّح أن يسعى الفريق الحكومي المفاوض للتوصّل إلى البنود التنقيحيّة للخطة الاقتصادية قبل نهاية العام الجاري، مع انطلاق المنهجية العمليّة لاجتماعات الحكومة. وإذا كانت الخطّة التي أقرّتها الحكومة السابقة برئاسة حسان دياب قد تطرّقت إلى أبعاد معيّنة وفق تصوّرها في عملية توزيع الخسائر، فإن حكومة “معاً للإنقاذ” ستنطلق من مقاربة مستندة إلى واقع البلاد المتوقّف حيث لا بدّ من العمل على إعادة إطلاق الدورة الاقتصادية أوّلاً.