العلاج بالإنتاج.. لا قروض تشفي ولا مساعدات تكفي

كتب ذو الفقار قبيسي في ” اللواء “:

منذ ان بدأ العجز يصيب ميزان المدفوعات في العام ٢٠١١ مع إشتعال الحرب في سوريا، والأجندة الوحيدة لدى مختلف الحكومات اللبنانية هي البحث عن قروض، والوعد بالإصلاحات، والأولى مسألة نقدية والثانية مسألة إدارية وهيكلية. وكلاهما لا علاقة له بالمسألة الإنتاجية التي هي العلاج الوحيد لدولة تنتقل من أزمة إلى أخرى ومن كارثة إلى كارثة بسبب إصابتها بمرض عضال هو الاعتماد على الغير في الإستدانة بعد الإستدانة، ودون أن تفكر يوما بالإعتماد على النفس باقتصاد إنتاجي يحقق لها قدرا كافيا من الاستقلال الذاتي والكرامة السيادية. فالقروض تعني الفوائد التي تزيد وتزيد في حجم القروض في حلقة تصاعدية مفرغة. وهي النهج الوحيد الذي اعتمدته الحكومات السابقة والخيار الأوحد الباقي أمام الحكومة الجديدة في اضطرارها إلى السير على الطريق القديم إلى قروض مؤتمر «سيدر» والطريق الجديد إلى قروض صندوق النقد الدولي. ورغم مزاعم كل الحكومات السابقة أن الغرض من القروض إستثمارها في إنقاذ الإقتصاد عبر الإنتاج، فأن ما يحصل العكس وهو أن ما يتبقى، بعد أن تسلب جزءا كبيرا منها طبقة سياسة النهب والسلب والهدر وسوء التدبير، يذهب لإنقاذ مالية دولة الفساد وسد عجزها الدائم، ودون أن يصل الى المواطن ما يلبّي به الحد الأدنى من حاجاته اليومية. وهكذا تكون القروض حبل إنقاذ للنظام لا للشعب الذي رغم كل القروض والفوائد العالية التي تكاد تستهلك مع نفقات حجم ضخم لقطاع عام يحشد فيه السياسيون ناخبيهم وتابعيهم وحواشيهم، يزداد بؤس الشعب وتعاسته ومهانته بدليل الأرقام الأخيرة المذهلة عن وقوع الغالبية الساحقة من اللبنانيين في حفرة الفقر وعدد كبير منهم في حفرة الفقر المدقع.

وهذا بالنسبة لما تحققه القروض في المسألة النقدية التي كانت وتبقى الأسطوانة الدائرة والهم الدائم لدولة اقتصاد الريع والوساطة وبإهمال كامل لأي انتاج سوى النزر القليل الذي ترفع به الدولة العتب كي يبطل العجب. وأما بالنسبة للأسطوانة الثانية أو الوعد بالإصلاحات ودون إصلاح، فهي ترميم إداري بمساحيق تجميل يوحي بها النظام للدول المقرضة والمانحة انه يلتزم بوعوده لها، فيما حقيقة العملية لا تخفى على تلك الدول، ولذلك فليس من الواضح ما إذا كانت «الإصلاحات» التي يجري التحضير لها الآن ستكون كافية لإقناع المجتمع الاقتصادي الدولي والعربي بتقديم قروض وافية أو مساعدات شافية.
وعلى وقع هاتين الأسطوانتين القديمتين والمتجددتين دون انقطاع في قروض متزايدة وإصلاحات ناقصة، لا يبقى لإقتصاد الإنتاج سوى البقاء في غرفة الإنتظار إلى حين موعد الإنفجار!