لبنان: بلد العلم والنور المطفأ

مكن القول من دون حد أدنى من المبالغة إن مفاعيل الواقع التعليمي بسبب كورونا ستمتد إلى عقود طويلة، إن لم يجر تداركها على نحو جذري وحاسم. ونبدأ هذه المرة من لبنان، الذي لطالما عُرف وعرفه أشقاؤه وغيرهم بأنه بلد الحرف والعلم والنور، ففيه نشأت الأبجدية، وأول مدرسة حديثة في القرن السابع عشر، وكذلك أول جامعتين عصريتين، هما الجامعة الأميركية في بيروت العام 1866 والقديس يوسف في العام 1875. سنحصر حديثنا عن لبنان بمادة تتناول التعليم العام الرسمي والخاص وحلقتين عن التعليم العالي.

نبدأ من العام، ويتبين منه أن معاناة مدارس لبنان لم تقتصر على القطاع الرسمي، بل شملت الخاص أيضاً. ما يعني أن حوالي الـ3400 مدرسة قائمة بات مصيرها على المحك. نبدأ من القطاع العام، وهو الأكثر انتشاراً والأقل استقطاباً لأعداد التلامذة والطلاب. فإضافة إلى الأعطاب البنيوية التي كان يعانيها، وضعه الوباء والانهيار أمام حالة بائسة في مختلف مراحله. إذ كان واضحاً أنه كان يعيش حالة تخبط تجعله عاجزاً عن الإفادة من التكنولوجيا الرقمية في إدارة عملية تعلمية – تعليمية ناجزة. فقد ثبت أن نسبة من خضعوا لدورات في علوم الكومبيوتر واستعمالاته التربوية هو قليل من مجموع المعلمين والأساتذة. وبالتالي كان من الصعب على هؤلاء، غير المؤهلين، التعامل الرقمي عن بُعد. وكي “يكتمل النقل بالزعرور”، كما يقول المثل العامي المحلي، ظهر جلياً أن الأهل لا يستطيعون تأمين الهواتف والألواح الذكية والأجهزة المحمولة لأبنائهم مع انهيار مداخيلهم. هنا نتحدث عن سعر جهاز بات ثمنه يتجاوز عدة ملايين من الليرات، فيما أجورهم لا تزال هي هي. ثم إنهم لا يعرفون كيف يساعدون أبناءهم في استيعاب المواد، وبالتالي الاستعداد لخوض امتحانات صعبة. فمثلاً طلاب الشهادة المتوسطة (البريفيه) سابقاً، ومعدل أعمارهم بين 14 و15 سنة، عليهم اجتياز امتحان صعب وطويل، وكذلك طلاب الثانوية العامة.

ومن المعروف أن الأزمة الصحية أولاً والاقتصادية والخدماتية ثانياً، قد ضغطت على الطلاب والأساتذة والأهل. ثم ترافقت مع شح وندرة مادة البنزين للمواصلات، حتى بات حضور هؤلاء إلى الصفوف متعذراً. وأياً يكن تبدو المسألة أكبر من مجرد مواصلات متعثرة. فمعظم أساتذة المواد العلمية والاجتماعية عندما تسألهم عن جهوزية طلابهم للدخول في الامتحانات كانوا يجيبون بالنفي حتى للامتحانات الفصلية والصفية.

وكلما ابتعدنا عن العاصمة تضاعفت الهوة نتيجة تعذر توافر التيار الكهربائي وشبكات الإنترنت. أما التعليم الحضوري الإلزامي لمدة شهر عملياً لكل تلميذ وطالب (شهران مقسمان على دفعتين للطلاب)، فكان هو الآخر شكلياً. وما يصح على المدرسة الحكومية يصح على النسبة العظمى من المدارس الخاصة باستثناء فئة “الخمسة نجوم” التي يقصدها أبناء النخبة، الذين درجوا على التعاطي مع التكنولوجيا الرقمية منذ نعومة أظافرهم.

التقييم بالمعنى العلمي يتجاوز امتحان التلامذة والطلاب إلى امتحان البُنية التعليمية كاملة، بما هي بشر يتوجب تأهيلهم عبر دورات سنوية، ومناهج مدرسية تتطور باستمرار، وأدوات وتجهيزات تقنية و… من هنا يجب إخضاع هذه البُنية كاملة للامتحان قبل “اقتياد” الطلاب مخفورين إلى قاعات حساب غير مستعدين للتفاعل مع أحكامها المبرمة.