أصدرت وكالة الطاقة الدولية التقرير الخاص الهادف إلى معالجة التحدي المتمثل في حشد الاستثمار والتمويل لدعم تحولات الطاقة النظيفة في العالم الناشئ والنامي. يعتمد هذا على تحليل مفصل للمشروعات والمبادرات الناجحة، بما في ذلك ما يقرب من 50 دراسة حالة واقعية، عبر الطاقة النظيفة والكفاءة والكهرباء، بالإضافة إلى التحولات للوقود والقطاعات كثيفة الانبعاثات، في بلدان تتراوح من البرازيل إلى إندونيسيا ومن السنغال إلى بنغلاديش.

وقالت الوكالة: “نحن نركز على الإجراءات التي يجب اتخاذها من الآن وحتى عام 2030، كعقد محوري للانتعاش الاقتصادي، لتحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة والعمل المناخي. وفي الملخص التنفيذي للتقرير، يعتمد مستقبل الطاقة والمناخ في العالم بشكل متزايد على القرارات المتخذة في الاقتصادات الناشئة والنامية. تشمل هذه المجموعة المتنوعة للغاية التي تغطي دولًا في إفريقيا وآسيا وأوروبا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط، أقل البلدان نموًا في العالم بالإضافة إلى العديد من الاقتصادات ذات الدخل المتوسط والعمالقة الناشئة للطلب العالمي مثل الهند وإندونيسيا وبعض منتجي الطاقة الرئيسين في العالم.

وعلى أساس نصيب الفرد، يكون استهلاك الطاقة في هذه البلدان منخفضًا بشكل عام، ولكن توسع الاقتصادات وارتفاع الدخل يخلقان إمكانات هائلة للنمو في المستقبل. يتمثل التحدي في إيجاد نماذج تنموية تلبي تطلعات مواطنيها مع تجنب الخيارات عالية الكربون التي اتبعتها اقتصادات أخرى في الماضي. يوفر انخفاض تكلفة تقنيات الطاقة النظيفة الرئيسة فرصة هائلة لرسم مسار جديد منخفض الانبعاثات للنمو والازدهار، إذا لم تُغتنم هذه الفرصة، وتعثرت تحولات الطاقة النظيفة في هذه البلدان، فسيصبح هذا خط الصدع الرئيس في الجهود العالمية للتصدي لتغير المناخ والوصول إلى أهداف التنمية المستدامة، لقد أدت جائحة كورونا إلى توسيع الفجوة الهائلة بين احتياجات الاستثمار وتدفقات اليوم، تمثل الاقتصادات النامية والصاعدة ثلثي سكان العالم ولكنها لا تمثل سوى خُمس الاستثمار في الطاقة النظيفة وعُشر الثروة المالية العالمية فقط، انخفضت الاستثمارات السنوية في جميع أجزاء قطاع الطاقة في الأسواق النامية والناشئة بنحو 20 ٪ منذ عام 2016، ويرجع ذلك جزئيًا إلى بعض التحديات المستمرة في حشد التمويل لمشروعات الطاقة النظيفة، أدت جائحة كوفيد -19 إلى إضعاف ميزانيات الشركات وقدرة المستهلكين على الدفع، ووضع ضغوطًا إضافية على المالية العامة، وكانت الآثار أكثر حدة في الاقتصادات الناشئة والنامية، والآثار على الصحة العامة والنشاط الاقتصادي لم تنته بعد، مما يقوض احتمالات الانتعاش السريع ووسائل الانتعاش المستدام.

مسار لا يسر

يشير مسار التنمية الحالي للاقتصادات الناشئة والنامية إلى ارتفاع الانبعاثات، ومن المقرر أن تتحمل الاقتصادات الناشئة والنامية الجزء الأكبر من نمو الانبعاثات في العقود المقبلة ما لم يتم اتخاذ إجراءات أقوى بكثير لتحويل أنظمة الطاقة لديها، باستثناء أجزاء من الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية، يعد نصيب الفرد من انبعاثاتها من بين الأدنى في العالم، أي ربع المستوى في الاقتصادات المتقدمة، في سيناريو يعكس السياسات المعلنة والحالية اليوم، من المتوقع أن تنمو الانبعاثات من الاقتصادات الناشئة والنامية بمقدار 5 غيغا طن على مدى العقدين المقبلين. في المقابل، من المتوقع أن تنخفض بمقدار 2 غيغا طن في الاقتصادات المتقدمة وأن تستقر في الصين.

ولكن الزيادة الهائلة في الاستثمار في الطاقة النظيفة في العالم النامي يمكن أن تضع الانبعاثات في مسار مختلف، هناك حاجة إلى زيادة غير مسبوقة في الإنفاق على الطاقة النظيفة لوضع البلدان على مسار صافٍ للانبعاثات الصفرية، وانخفض الاستثمار في الطاقة النظيفة في الاقتصادات الناشئة والنامية بنسبة 8 ٪ إلى أقل من 150 مليار دولار في عام 2020، مع توقع حدوث انتعاش طفيف فقط في عام 2021.

وفي وقت، يحتاج الإنفاق الرأسمالي السنوي على الطاقة النظيفة في هذه الاقتصادات إلى التوسع بمقدار أكثر من سبع مرات، إلى ما يزيد على تريليون دولار، من أجل وضع العالم على المسار الصحيح للوصول إلى صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050، يمكن أن تحقق هذه الطفرة فوائد اقتصادية ومجتمعية كبيرة، ولكنها ستتطلب جهودًا بعيدة المدى لتحسين البيئة المحلية للاستثمار في الطاقة النظيفة داخل هذه البلدان، بالاقتران مع الجهود الدولية لتسريع تدفقات رأس المال، حيث يعد تحويل قطاع الطاقة وتعزيز الاستثمار في الاستخدام الفعال للكهرباء النظيفة ركيزتين أساسيتين للتنمية المستدامة، فمن المقرر أن ينمو استهلاك الكهرباء في الاقتصادات الناشئة والنامية بنحو ثلاثة أضعاف معدل الاقتصادات المتقدمة، وينبغي أن تجعلها التكاليف المنخفضة لطاقة الرياح والطاقة الشمسية، على وجه الخصوص، التقنيات المفضلة لتلبية الطلب المتزايد إذا كانت البنية التحتية والأطر التنظيمية في المكان المناسب.

ويمكن للمجتمعات جني فوائد متعددة من الاستثمار في الطاقة النظيفة وشبكات الكهرباء الرقمية الحديثة، فضلاً عن الإنفاق على كفاءة الطاقة والكهرباء عبر المباني والأجهزة والمركبات الكهربائية الأكثر اخضرارًا. تقود هذه الاستثمارات الحصة الأكبر من تخفيضات الانبعاثات المطلوبة خلال العقد القادم لتحقيق الأهداف المناخية الدولية، فيما تعد الآليات المبتكرة ذات الدعم الدولي لإعادة تجهيز محطات الفحم الحالية أو إعادة توظيفها أو إيقاف العمل بها، عنصرًا أساسيًا في تحولات قطاع الطاقة.

ولكن يجب أن يشمل جميع أجزاء الاقتصادات سريعة النمو والتوسع الحضري، إذ تعتبر الطاقة النظيفة أساسية لاستراتيجيات التنمية والانتقال، ولكنها لا تستطيع تقديم جميع الإجابات في الاقتصادات التي تمر بالتوسع الحضري والتصنيع السريع، تعتبر التحولات في الوقود والقطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل مواد البناء والكيميائيات والشحن ضرورية لتحقيق تخفيضات كبيرة في الانبعاثات.

وهذا يتطلب تحسينات في كفاءة المعدات الصناعية والنقل الثقيل، بالإضافة إلى تحويل الوقود، بشكل أساسي إلى الكهرباء والطاقة الحيوية، ولكن أيضًا إلى الغاز الطبيعي في المناطق التي لا يمكن فيها نشر طاقة أنظف على النطاق المطلوب، بالتوازي مع ذلك، سيكون من الضروري إرساء الأساس لتوسيع نطاق السوائل والغازات منخفضة الكربون، بما في ذلك الهيدروجين، فضلاً عن تقنيات احتجاز الكربون، على الرغم من أن العديد من هذه المجالات تفتقر إلى نماذج أعمال قابلة للتطبيق في الوقت الجاري.

فيما ستستفيد البلدان الرئيسة المستوردة للوقود، ولا سيما في آسيا، من الضغط النزولي على فواتير الاستيراد، ولكن من بين أكبر منتجي ومصدري النفط والغاز في العالم، تخلق تحولات الطاقة النظيفة ضغوطًا هائلة على النماذج الاقتصادية التي تعتمد على عائدات الهيدروكربون، مما يثير تساؤلات حول التمويل المتاح للاستثمارات في مجال الطاقة وغير الطاقة على حد سواء.

جريدة الرياض – السعودية
الجبيل الصناعية – إبراهيم الغامدي