محنة الأخلاق في مهنة الإعلام

كتب مدير عام وزارة الاعلام الدكتور حسان فلحة في جريدة النهار:

يتفوق الإعلام اللبناني بالقدرة على استلاب الشخصيات واستحضارها وتغييبها وتعييبها واستيلائه ببراعة على المتابعين ورواده المشتتي الولاء والمتعددي الانتماء يستعرض فائض قوته المفرطة وسطوته في التحكم بطبقات الصوت ونبرته ونقاء المشهد ورداءته وتضييق إطار الصور وتوسيعه ولا ينفك يمعن في الانغماس في صناعة الحوادث وأداء الأدوار الرئيسية والثانوية على حد الاعتبار في بلد معظم سياسييه ومسؤوليه يراودهم عن نفسه بتعال وفوقية لا يضاهيه إلا تعاليم أصحاب الدوافع الظاهرين منهم والمستترين حتى تجاوزت الحرية الإعلامية حد الفوضى وتقلص الإعلام الحر إلى حدود مترامية الأطراف.

في لبنان الأزمة متأتية من طغيان الحرية الإعلامية وتواري الإعلام الحر، الحال الأولى تُسقط أحيانا كثيرة وبلا تردد أو مواربة ضوابط الأنظمة والقوانين والمواثيق الأخلاقية ومعايير المسؤولية الذاتية أو ذات الحسابات العامة على تقادمها وفقر حالها أو عدم وجودها (نحن لسنا معفيين من مسؤولية واقع الامر)، والحال الأخرى توغله خلف الحزبية والمذهبية والعلمانية المنتفخة والمزايدة، وفي كلا الحالين يكون مجمله طاغيا على حساب المواطنة ومصلحة البلد، فالأكثر ظلامية من قمع حرية التعبير، هو أن تصاب بفوضى التعبير وانخفاض منسوب الإدراك.

ليست المسألة محصورة في النشأة والنسب والحظوة بل في الأداء والمسار وهي عناصر أساسية في تكوين الحرية الحقة لا يوازيها أهمية إلا نسب التمويل والإنتاج والإنفاق، وهي عناصر عجزت الدولة بمؤسساتها وإداراتها على مر العهود عن الوقوف على واقع حالها.

هذا الإعلام انعكاس واضح وشفاف للنظام اللبناني شديد الاهتزاز والارتدادات، ثابت الديمومة وقوي المقام لا يتزحزح عن أسس قواعده وبنيانه الصلب.
الإعلام مرآة مقعرة ومحدبة للسياسة في لبنان وابن بيئتها مهما تغيرت الأحوال أو تبدلت منذ أن صدرت فيه أول مطبوعة صحفية في العالم العربي، حديقة الأخبار في النصف الأول من القرن الثامن عشر، ومنذ أن أنشئت أول جمعية للعاملين بالحقل الإعلامي مطلع القرن الماضي مرورا بالإذاعة الأولى بثا في عاصمة عربية بيروت وكذلك كمحطة تلفزيونية واسعة الانتشار وصولا إلى أول محطات البث الإذاعي والتلفزيوني العائدة للقطاع الخاص في الدول العربية. غير أن اللافت براعة النظام في ابتعاده عن امتلاك مباشر لأي مطبوعة صحفية.

هذا الماضى اثخنته تداعيات الحاضر وقلق المستقبل ووهن مقيم في الاندماج بين المؤسسة عينها وأصحابها والعاملين فيها إذ تتفكك إلى ثلاث جهات متجانسة في الرخاء ومنفصلة عند الملمات عدا عن أن قوانينه المتقادمة والمزمنة تترافق مع فتور في التشريعات والنصوص حتى فرضت تكنولوجيا المعلومات والمعرفة ذاتها عنوة وقسرا قبل صدور أي نص تنظيمي على قاعدة تطور تقني هائل وتشريعات وأنظمة جامدة لا تواكب العصر فكانت وسائل التواصل الاجتماعي سباقة إلى الوجود والتمدد على معظم مساحة الإعلام قبل صدور أي نص تشريعي يعطيها الصفة والهوية ويرسم حدي المسموح والممنوع، وقد تسلل كثر من منتحلي الصفة إلى منصات الإعلام حتى عاثوا الثرثرة التى قال عنها ليو تولستوي يوما : “… أنها ليست عيبا إنها مرض…”، ومهما وقفنا على خواطر الانتقاد واللوم إلا أن الحق يقال ألا نحمل الإعلام مسوولية ما يفعله السياسيون حيث يبقى الإعلام ثروة البلد وايقوناته الفاتنة، والجمال الذي لا يعرف محرمات أو تحوطه حدود وضوابط.