كيفية إنفاق حقوق السحب الخاصة.. حريّة مقيّدة بـ «تاء مربوطة»!( اللواء 24 أيلول)

كتب ذو الفقار قبيسي في ” اللواء”:

الانطباع السائد في تصريحات رسمية وعامة بأن حقوق السحب الخاصة التي حصل عليها لبنان من صندوق النقد الدولي بـ1,35 مليار دولار لا يخضع انفاقها لأي شروط من قبل الصندوق، جاء ما يناقضها من قبل الجهة الرسمية التي تدير ملف لبنان من ضمن إدارة ملفات منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق ممثلة بوزير المال السابق الدكتور جهاد ازعور الذي تضمنت تصريحاته الأخيرة معلومات مهمة عن الموضوع منها:

ان توزيعات حقوق السحب الخاصة التي أقرّها الصندوق أخيرا بـ٦٥٠ مليار دولار حصة الدول العربية ومنها لبنان ٤٥ مليار دولار مخصصة «لدعم هذه الدول في مواجهة تداعيات جائحة كورونا» وفي «إطار حرص الصندوق على رفع مستوى الشفافية والحوكمة في الدول المتلقية، بحيث يمكن مراقبة ومحاسبة كيفية إدارة واستخدام هذه الاحتياطيات الإضافية «التي ينبغي أن تتجه الى تسريع عملية النهوض الاقتصادي وبصورة خاصة لتأمين فرص العمل للشباب الذين يدخلون سوق العمل حاليا».
وفي هذا التصريح خارطة طريق لكيفية استخدام لبنان هذه الأموال المستجدة في مجالات اقتصادية إنمائية واجتماعية محددة، بما يتناقض مع المجالات المطروحة من قبل الحكومة الراحلة وأغلبها لأهداف سياسية – انتخابية، وبما ينبغي للحكومة الجديدة أخذه بعين الاعتبار في تحديد معالم خطة الإنقاذ بما يسهّل طريق لبنان إلى الصندوق الدولي وبعكس المقولات المرتجلة حاليا سواء لجهة حرية غير أكيدة للبنان في إختيار مجالات إستخدام هذه الأموال، أو لجهة ما هو أشد وأدهى في أن لبنان قد أنجز «عن طريق الصدفة» الكثير من شروط الصندوق الدولي وقبل البدء بالمفاوضات المرتقبة مع الصندوق!

وكيف كان ذلك؟
في تقديرات لسياسيين وخبراء اقتصاديين ان لبنان بات يكفيه ٦ أشهر فقط لإنجاز إتفاق ناجح مع صندوق النقد الدولي!! والسبب ان الكثير من شروط الصندوق قد تحققت عفويا من تلقاء نفسها أو على طريقة النتائج والعوامل الجانبية Side Effects ومنها على سبيل المثال ان شرط الصندوق رفع الدعم تحقق عمليا برفع الدعم عن المحروقات (مع ان شرط الصندوق رفع الدعم كليا عن أي مادة وبصورة كاملة وليس جزئيا عن مواد محددة) وأن شرط تحرير سعر الصرف قد حصل عن طريق التقارب إلى حدود التماثل أحيانا بين سعر الصرف في المنصة والسعر في السوق الموازية (مع أنه إلى جانب شرط تحرير سعر الصرف يشترط الصندوق توحيد السعر، في حين أنه إلى جانب سعر السوق وسعر المنصة ما زال هناك أكثر من ٤ إلى ٥ إضافية في طليعتها سعر الصرف الرسمي 1507,5 ليرة للدولار الواحد وسعر صرف الدولار من البنك بـ«لولار» الـ٣٩٠٠ ليرة).
والأشد والأدهى إنه إلى جانب هذا التبسيط البغيض في مواضيع أكثر تعقيدا وجديّة مما يتصور البعض، هناك الجانب الأهم هو أن هذه الشروط التي «تتحقق تلقائيا» حتى ولو كانت متلائمة مع شروط الصندوق الدولي، تأتي دون خطة متكاملة هي الأساس الذي يطالب به الصندوق ومن ضمنها لا يأتي شرط رفع الدعم على سبيل المثال دون شرط إنجاز شبكة أمان إجتماعي ودون خفض الهدر الكبير في النفقات العامة بما يوفر أموالا ضرورية لبنية تحتية حديثة تجتذب الإستثمار وتزيد فرص العمل ودون مكافحة الفساد وفرض الحوكمة الحكيمة ودون قضاء مستقل وتمثيل انتخابي حقيقي يضمن التشريعات الملائمة للمصالح العامة.
وأما ما يبشّر به أو يهلل له البعض من أن شروط الصندوق باتت تتحقق من «تلقاء ذاتها» فهو عبارة عن «إنجازات» إرتجالية في الفوضى وتسرّع في الانهيار وتزيد في معاناة شعب وفي اقتصاد «دولة مفلسة في قطاعيها العام والخاص» (تقرير بلومبرغ) وفي صوت صارخ في البرية في البيان الشهير الصادر عن اجتماع مجلس المطارنة الموارنة ان لبنان الحرية والسيادة والإستقلال وسلامة الأراضي، باتت قضيته قضية حياة أو موت، وإذا لم يجرِ التصدي لما يحيط به من مخاطر إقليمية ودولية «بات على طريق الزوال»!!