نصيحة عملية إلى حاملي الدولار

عام 1985، وصل سعر الدولار إلى أكثر من 18 ليرة، بعد ارتفاع متدرّج عقب الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. وكانت الليرة ثبتت على سعر يتراوح بين 2,3 و4,3 ليرة للدولار ما بين عامي 1960 و1981، ومن ضمنها حرب السنتين 1975-1976، التي هي المرحلة الأصعب من الحرب الأهلية باعتبار أنها كانت الصدمة الأقسى لاقتصاد مزدهر. صمدت الليرة، بسبب المال المتدفّق لتمويل الحرب ومعاركها، وتأمين البيئات الشعبية المتناحرة.

كانت تقلّبات الليرة وانهيارها المتسارع نتيجة طبيعية لعاملين: خروج منظمة التحرير الفلسطينية في صيف 1982 تبعاً لاتفاق المبعوث الأميركي الخاص آنذاك فيليب حبيب، ما استدعى خروج أموالها أيضاً من الدورة المالية والاقتصادية اللبنانية، وإنفاق عهد الرئيس أمين الجميل على تدريب الجيش اللبناني وتجهيزه بالسلاح الحديث، ما رتّب أعباء غير متكافئة مع حجم الاقتصاد وجاذبيته للأموال، على خزينة الدولة.

هذه الأزمة المالية منتصف الثمانينيات والتي تصاعدت إلى مطلع التسعينيات حين وصل سعر الدولار الواحد إلى 3000 ليرة، أصابت معيشة اللبنانيين بشدّة أكبر بكثير مما هو الحال اليوم، إذ تضاعف سعر الدولار من حوالى 3 ليرات كمعدّل وسطي إلى 3 آلاف ليرة خلال تسع سنوات بين عامي 1982 و1991. في حين أن سعر الدولار تضاعف خلال سنتين بين عامي 2019 و2021، من 1500 ليرة للدولار إلى 15 ألف ليرة كمعدّل وسطي، أي عشرة أضعاف.

انهيار الليرة في الثمانينيات من القرن الفائت، أدّى كما هو الحال اليوم، إلى ازدهار سوق المضاربة على الليرة، حتى كاد أن يصبح كل لبناني صرّافاً، ليس للمتاجرة بالعملة الوطنية وجني الأرباح السهلة وحسب، بل في سعي حثيث من المواطنين للحفاظ على قيمة المدخرات في البيوت، أو في المصارف. وكان شائعاً تسمّر الناس عند قنوات البثّ الإذاعي لمتابعة تقلّبات اللحظة لليرة صعوداً وهبوطاً، من أجل التحويل بيعاً وشراء، فلم تكن التطبيقات الإلكترونية قد وُلدت بعد.

لكن لم يكن كلّ المضاربين الهواة بقادرين على تحمّل الضغوط النفسية التي ترافق تقلّبات الدولار. وكثير منهم في تلك المرحلة، من استسلم مبكّراً، فحوّل ما يدّخره إلى الليرة، مراهناً على العملة الوطنية وعلى الدولة ومؤسساتها، على نحوٍ حاسم، فأوصله ذلك إلى خسارتها فعلاً. وعدد لا يُحصى منهم خسر عقله أو حياته، حزناً ويأساً!

فما هو الحلّ العملي في حالة الاضطراب المالي بالنسبة لغير الممتهنين للصرافة أو غير المحتاجين للدولار من أجل الاستيراد من الخارج؟ أتذكّر نصيحة ثمينة أسداها إلينا الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الله عطية، وكان مستشاراً للرئيس سليم الحص، وأصبح عضواً في لجنة الرقابة على المصارف. كنّا في السنة الثانية بكلية الحقوق والعلوم السياسية ببيروت، وكان يدرّسنا مادة الاقتصاد النقدي، التي تُعنى بإيضاح آليات صنع العملة، وتداولها والتوازنات المطلوبة بين الكمية المعروضة في السوق وحجم الإنتاج المادي الكلّي. وأبرز ما في تلك الدروس، أنّ العملة مثل أيّ بضاعة، حين يكثر عرضها في السوق مقابل حجم الطلب عليها ينخفض سعرها، والعكس صحيح.

قال لنا الدكتور عطية خلال إحدى المحاضرات في مبنى الصنائع الملاصق لوزارة الداخلية حالياً، والذي تحوّل إلى مكتبة عامة منذ سنوات مع وقف التنفيذ: “اقسم مالك إلى نصفين، أحدهما بالدولار والآخر بالليرة. ولا تُلقِ بالاً بما يحدث في السوق من صعود وهبوط. فإذا ارتفع سعر الدولار، زادت قيمة الدولارات التي تملكها بموازاة الليرة. وبذلك، تعوّض الخسارة اللاحقة بالليرات التي تملكها، والتي فقدت جزءاً من قيمتها بإزاء الدولار. والأمر نفسه، إذا انخفض سعر الدولار. ترتفع قيمة الليرات التي تملكها فتعوّض الخسارة الواقعة بالدولارات التي لديك. وهكذا دواليك”.