خاص _ فوضى أسعار الصرف باقية!

كتب الخبير الإقتصادي والمصرفي الدكتور جو سروع:

إن فوضى أسعار الصرف في السوق اللبنانية لا سابق لها، إذ لم يشهد لها مثيل سواء على صعيد المنطقة أو على الصعيد العالمي وفي مختلف الاقتصادات: الموجّهة والمحرّرة والحرّة والحرّة التي تعثّرت وأُعيدت هيكلتها. وفي مطلق الأحوال، لم تتعد هذه الأسعار في رأيي، سعر سوق سوداء غير منظّمة تتنافس في ما بينها ضمن هوامش تسويقية، وسوقاً سوداء منظّمة تُحكم وتُدار وتُسعّر وفقاً لمصالح أربابها، وسعراً رسمياً يُدار من خلال سياسة نقدية يعتمدها المصرف المركزي المعني، ضمن استراتيجية وخطة عمل، بما من شأنه خدمة الاقتصاد الأهلي بكل مكنوناته ولزوم مردوده الاجتماعي بفاعلية وفعالية. علماً أن السياسة النقدية بشقيها، معدلات الفوائد وسعر الصرف، تتفاوت بين اقتصاد وآخر وفقاً للموارد المالية والنقدية لهذا الاقتصاد أو ذاك، وفي بعض الاقتصادات سواء الحرّة أو الموجهة، من الممكن أن يكون هناك سعر صرف جمركي لحماية الإنتاج المحلي، والحد من الواردات لأسباب تتعلق بإدارة السياسة النقدية والتعامل مع أي عجز في الحساب الجاري.
وبالعودة إلى أسعار الصرف في السوق اللبنانية، التي توالدت من رحم انهيار متَعمّد وشامل وعميق على كل الصعد، الذي باتت أسبابه معروفة للقاصي والداني لا داعي لتكرارها ولو غير مسبوقة، لم تنته فصوله على ما يبدو حتى الآن. وعليه، نشأت وترسّخت حالة من الارتباك المنفلت وبالقطعة، وفي جو عام سلبي ومن دون أفق وضاغط في إدارة السياسة النقدية المركزية، وذلك من خلال إجراءات استثنائية واستنسابية لم تكن عادلة للمودعين وهَدرت من خلال التهريب المتمادي للمنتوجات المدعومة مورداً نقدياً مهماً ومفصلياً، لجدوى أي عملية تعافي مرتقبة للاقتصاد الوطني، وبالتوازي والتزامن مع عملية إعادة إدارة السياسة النقدية الفعلية إلى المصرف المركزي. ويتمثل أحد روافد هذه العملية بالتحجيم المنهجي والمؤثر لسوق سعر صرف سوداء، والتجفيف المرحلي لمصادرها ومواردها.
في رأينا، إن أية عملية إنقاذ أو تعافي للاقتصاد الوطني، يجب أن ترتكز على توحيد سعر الصرف، وهذا دونه خطة اقتصادية شاملة جدية وذات معنى قابلة للتنفيذ في إطار زمني معقول تنطلق من شق آني من شأنه لجم السقوط الحر للبلد، الذي يراكم قوة دفع انحدارية بالثانية. ويجب أن ترتكز هذه الخطة على الإصلاحات التشريعية والتنفيذية والحوكمة الرشيدة، وعلى إعادة هيكلة للمصارف تكون جدية ومعقولة وذات معنى بما فيه تحديد مصير الودائع وكيفية وصول المودعين إلى مدخراتهم ومتى، بحيث يكون بإمكان هذه العملية أن ترسل إشارة مقنعة لإعادة الثقة إلى القطاع المصرفي في الداخل والخارج. كما يجب أن يعتمد الشق المالي من الخطة، على مخرجات المفاوضات مع صندوق النقد الدولي النوعية والمالية والنقدية والحوكمة الرشيدة، وعلى كل ما من شأنه أن يعيد إلى البلد هيبته بكافة مفاصلها الإدارية ويروّج لإعادة الثقة الشاملة فيه، التي سيسترد من خلالها الاقتصاد الوطني كل دعائمه وسبل تطويره.
في ظل عصيان السلطة على الإصلاح – عدو النفوس – والشخصانية المطلقة وإمعانها في غيّها والإنكار والتنكر لمآسي الناس وشجونهم، إن الحالة الاقتصادية المتهاوية كما ذكرنا سابقاً، تكتسب قوة دفع انحدارية بالثانية، تعظّم الكلفة وتأخذها فوق إمكانات الممكن، وتقلّل إذا لم تلغِ إمكانية التعافي العمودي التصاعدي ولو ببطء، المطلوب بإلحاح لأهميته الهيكلية لصيرورة البلد.
من الآن إلى حينه وبعد ذلك الحين، فإن فوضى أسعار سوق الصرف باقية المكشوف منها والمستور وإن بنسب مختلفة، والسوق السوداء تدير منفردة وبتفرد سياسة البلد النقدية. المستفيدون من هذه الأسعار: السوق السوداء التي لها أصحابها وأربابها ولديها مصالحها داخل البلد وخارجه. وأسعار الدعم يستفيد منها المهرّبون، مع العلم أن هذا الدعم هو على حساب ودائع الناس. وموفرو السلع والمنتجات التي يطالها الدعم، إذ أن إلغاءها سيؤثر على الاستهلاك، نظراً إلى تراجع قدرة الأجور الشرائية والتضخم، ما سينعكس سلباً على أرقام المبيعات الإجمالية وجدلاً على الأرباح.
ويبقى المودعون الذين يسحبون من ودائعهم على سعر صرف 3900 ليرة للدولار، هم الخاسرون المباشرون، إذ يصيب مدخراتهم من جراء ذلك، هيركات يعادل حوالي 85 إلى 90 في المئة. ومن هنا تهدف اجتماعات جنة المال والموازنة البرلمانية وإدارة المصرف المركزي، إلى إبدال سعر الصرف الحالي أي 3900 ليرة، بسعر آخر قد يتراوح بين 6 آلاف وعشرة آلاف، والأرجح برأينا أن يرسو السعر على ما بين 6 آلاف و7 آلاف.
والرابحون نسبياً هم المودعون الذين قرروا الاستفادة من العميم الرقم 158 ، الذي يجيز لهم سحب مبلغ 400 دولار نقداً من ودائعهم، و400 دولار بالليرة على أساس سعر 12 ألفاً للدولار الواحد، نصفها نقداً ونصفها ببطاقة اعتماد. والجدير بالذكر هنا، أنه من الأهمية بمكان إعادة المصداقية للشيكات وبطاقات الاعتماد كوسائل دفع معتمدة، للتخفيف من الدفع نقداً. وهذا الأمر في رأينا، يرتدي أهمية هيكلية في إدارة السياسة النقدية في البلد.
ويبقى “نجم نجوم” أسعار الصرف وهو السعر الرسمي أي 1500 ليرة للدولار، وهذا في رأيي سعر اجتماعي مهم يمكّن الدائنين الأفراد الذين لا يملكون حسابات بالدولار، أن يسددوا قروضهم بالليرة على هذا السعر، كما أن هذا السعر بالإضافة إلى اعتماده من قبل المصارف تنظيماً، يطال قانون عقود الإيجار وفواتير الخليوي والانترنت وغيرها من الخدمات. ولا يخفى أن هذا السعر غالباً ما خلق تعارضاً في المصالح بين المستفيدين منه والمتضررين.
في رأيي يجب أن يبقى هذا السعر قائماً ومعتمداً حتى إشعار آخر، لأن إبطاله غير المدروس والممكن، سيطال شريحة واسعة من الدائنين الأفراد، ويعرّضهم إلى أخطار مكلفة اجتماعياً وإنسانياً لا حول ولا قوة لهم عليها، لا في القريب العاجل ولا أقلّه على المدى المتوسط.
قصر الكلام، أن الوضع شاذ وخطير بكل المعايير والمقاييس. ولكن يصح في الوقت ذاته، أن دولاً عدة قد تعرضت في تاريخها وفي حاضرها لمشاكل تبدو عصيّة على الحلول، لكن هذه الدول حظيت بمَن هم من أهل الإرادة والمَقدرة والإقدام المدروس على اجتراح الحلول الناجعة. أما عندنا فنحوّل مسألة فيها نظر إلى مشكلة شائكة تتطور إلى أزمة عصيّة على الحلول. كثر ممّن هم عندنا، صنّاع أزمات ليست قدر وطننا ولا نحن نستحقها. الوقت سلعة مكلفة وحده الإنتاج يحدد جدواه، وبلدنا ونحن لم يعد لدينا القوة ولا النية على دفع أكلاف تُهدر.

الخبير الإقتصادي الدكتور جو سروع