«المشروعات السياحية»… فرصة سهلة للخصخصة الرشيدة

قدمت مجموعة من النواب اقتراحاً بقانون بشأن تصفية شركة المشروعات السياحية على أن تؤول أصولها بعد التصفية إلى الخزينة العامة للدولة؛ تمهيداً لإعادة طرحها على شركات عالمية ذات ملاءة مالية عالية ومختصة بصناعة الترفيه.

وقال مقدمو الاقتراح، وهم النواب حسن جوهر، ومهلهل المضف، ومهند الساير، وحمد روح الدين، وعبدالله المضف، في المذكرة الإيضاحية للقانون، إن “شركة المشروعات السياحية أدت في فترة ما الغرض من إنشائها في مجالي الترفيه والاستجمام، لكنها أصبحت في الوقت الحاضر غير قادرة على مواكبة المتغيرات في هذه الصناعة، التي باتت تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة وخبرات تشغيلية احترافية”.

مزايا تتجاوز الفكرة

ولعل في القانون المقترح مزايا تتجاوز فكرته، لأنه مقترح برلماني ذو أبعاد استثمارية واقتصادية، في وقت غلبت على مجلس الأمة منذ أكثر من 10 سنوات سمة المقترحات الشعبوية ذات التكاليف الضخمة المالية على الدولة، كإسقاط القروض أو تقليص سنوات التقاعد أو إنشاء المزيد من الهيئات الحكومية العامة، فضلاً عن أن الاقتراح، وهو نيابي، يتسق أكثر مع توجهات المجلس الأعلى للتخطيط بخصخصة الأنشطة والخدمات في الكويت، أكثر مما تتسق بعض المقترحات الحكومية خصوصاً تلك المتعلقة بإنشاء شركات حكومية في قطاعات متناهية الصغر، كالاستثمار في الحدائق العامة، وقبلها شركة “الدرّة” للعمالة المنزلية أو في قطاعات تحتاج إلى معالجة فعلية تتمثل في مساهمة فعلية من القطاع الخاص، مع إصلاح واقع الهيئات الحكومية المشرفة كالإسكان أو الأمن الغذائي.

ملكية وعمالة

أما المقترح لناحية التفاصيل، فنظم مسائل أيلولة الأصول إلى الدولة، ثم إعادة طرحها للكيانات الاستثمارية الأجنبية من خلال فتح فرع “شركة” للمستثمر الفائز بأي مشروع ترفيهي في الكويت من خلال هيئة تشجيع الاستثمار المباشر “الاستثمار الأجنبي” بحيث يتملك المستثمر 60 في المئة من رأسمال الكيان الترفيهي، وتتملك مؤسسات الدولة والمواطنون مناصفة النسبة المتبقية من رأس المال، كما راعى المقترح مسألة تشغيل العمالة الوطنية بما لا يقل عن 30 في المئة في كل كيان ترفيهي خلال السنوات الخمس الأولى من التشغيل مع تزايدها سنوياً.

نموذج نجاح

 

ومهما تكن هناك من ملاحظات على نسب الملكية أو العمالة الوطنية في التفاصيل، فإنه يظل مقترحاً وجيهاً لناحية تقديمه لمعالجة اقتصادية بعيداً عن الشعبوية، فضلاً عن الأهم وهو توفيره بيئة تشريعية وقانونية لتقديم نموذج ناجح للخصخصة الرشيدة في الكويت في قطاعات غير أساسية تمهد مستقبلاً لمعالجة أي انحراف في التنفيذ دون آثار مجتمعية بالغة السوء يمكن أن تقع حال خصخصة قطاعات كبرى دون خبرة ودراية بتحديات الخصخصة كالتعليم أو الصحة أو الكهرباء والماء وغيرها… والنجاح في خصخصة القطاعات الصغيرة يستوجب أن تكون مسؤولية الدولة في هذه القطاعات ضمان المنافسة وكفاءة وجودة الخدمة، بما يحقق عوائد ضريبية لمصلحة الخزينة العامة وفقاً لقانون المستثمر الأجنبي، إلى جانب أن تشغيل العمالة الوطنية سيعطي فرصة أكبر لتوسع دائرة الخصخصة في قطاعات أوسع وأكبر.


ضياع الفرص السهلة

لقد ضيعت الكويت خلال السنوات الماضية فرصاً متعددة لتقديم نموذج ناجح للخصخصة صغيرة إلى متوسطة الحجم، والنموذج الوحيد المحدود في النجاح هو شركة البورصة، كقطاعات الرياضة والطيران والاتصالات الأرضية وخدمات البريد، في وقت راهنت فيه على تسويق أفكار خصخصة لخدمات وملكيات ضخمة في الصحة والتعليم والثروات الطبيعية، الأمر الذي أضعف موقفها لعدم وجود أمثلة ناجحة تستند إليها في تسويق برامجها… فلم تكتسب الخبرة والممارسة من خصخصة القطاعات الصغيرة ولم تتلاف سلبيات وقعت مثلاً في خصخصة محطات الوقود، مما أعطى مختلف الفئات الشعبوية أفضلية في إقناع الراي العدم بمخاطر الخصخصة كمبدأ وليس كسوء ممارسة أو تنفيذ.

تاريخ وتسويق وبيئة

ولدى شركة المشروعات السياحة التي أسست عام 1976 استكمالاً لمشاريع الترويج السياحي حينذاك حقوق انتفاع للعديد من الأراضي والمرافق، كالمدينة الترفيهية التي كانت في منتصف الثمانينيات أول مدينة “ملاهي” كبرى في الشرق الأوسط والواجهة البحرية وحديقتي الشعب وجنوب الصباحية وأبراج الكويت، فضلاً عن آخر مشروع نفذته الشركة وهو منتزه الخيران عام 1988، أي أنها من قبل الغزو العراقي لم تنفذ أي مشروع ترفيهي جديد، ما يبين عمق الأزمة وأقدميتها في الشركة المملوكة للدولة.

ولا شك أن الاستثمار السياحي بطبيعته يتطلب منظومة أشمل من المرافق الترفيهية وصولاً إلى “تسويق الكويت” كوجهة مثلاً للسياحة الخليجية والعائلية بالتعاون مع قطاعات الطيران والفنادق، فضلاً عن توطين جانب مهم من الإنفاق المحلي الذي يتوجه سنوياً إلى خارج الكويت، إذ ورد في مذكرة المقترح التفسيرية أن 44 في المئة من الكويتيين دون سن الـ 20 عاماً، مما يعطي الاستثمار السياحي جماهيرية مدفوعة بقوة شرائية لو توفرت البيئة المناسبة للمرافق الترفيهية.

جريدة الجريدة – الكويت

كتب الخبر: محمد البغلي