تنامي عمليات تهريب العملة الأجنبية ينخر اقتصاد هذا البلد العربي

فجرت عملية القبض على قاضية تونسية بمدينة المنستير الساحلية، بحوزتها عملة أجنبية تقدر قيمتها بنحو 450 ألف يورو (نحو 534 ألف دولار أميركي) كانت تنقلها على متن سيارتها الخاصة إلى إحدى المدن التونسية، فضيحة، أثارت في الفترة الأخيرة الاهتمام حول تفشي ظاهرة الاتجار بالعملة الأجنبية على غير الصيغ القانونية المعمول بها في تونس.

وهزت هذه القضية الرأي العام في تونس لارتباطها بقاضية أسهمت في الاتجار بالعملة وتهريبها بفضل تمتعها بالحصانة.

وأصابت هذه المسألة القضاء التونسي في “مقتل”، كونه تحول من رأس الحربة في الحرب على الفساد والمفسدين إلى شريك ومتهم في انتشار الفساد واستغلال النفوذ (الحصانة القضائية) لتهريب العملة الأجنبية.

وفي وقت تعتبر البلاد في أمسِّ الحاجة إلى الموارد المالية ولا سيما العملة الأجنبية لتدعيم رصيدها من احتياطي النقد الأجنبي، تنامت تجارة العملة بطرق غير شرعية، إلى درجة أن أجهزة الأمن والجمارك تعلن يومياً عن حجز مبالغ من العملة الأجنبية في أماكن مختلفة من البلاد.

ولا تزال تونس تتخبط في سلسلة من الصعوبات الاقتصادية المتواترة عمقتها الأزمة السياسية الراهنة، التي جعلتها تعجز حتى عن تعبئة الموارد المالية الضرورية لتمويل الميزانية بخاصة الحفاظ على احتياطي مهم من النقد الأجنبي.

وتظهر إحصاءات البنك المركزي التونسي أن مخزون تونس من النقد الأجنبي بلغ حتى 2 سبتمبر (أيلول) 2021 ما قيمته 7148 مليون دولار، أي ما يعادل 125 يوم توريد.

استهداف منابع تهريب العملة

أكد هيثم الزناد، المتحدث الرسمي باسم جهاز الجمارك التونسي، أن عصابات التهريب بما فيها شبكات تهريب العملة اكتسحت الاقتصاد التونسي، معتبراً أن تونس ومن خلال مختلف الأسلاك الأمنية بحاجة إلى تدعيم الاقتصاد الوطني لأجل حمايته في فترة عصيبة تمر بها.

وقال إن جهاز الجمارك التونسي استهدف منذ مطلع العام الحالي منابع تهريب العملة التي تعمد إلى تمويل البضاعة من الخارج من دون المرور عبر القنوات القانونية، لتقتنص القدر الكبير من الأرباح من دون أن ينتفع الاقتصاد التونسي من الضرائب الموظفة على عمليات التوريد.

وشدد على أن الجهود المبذولة من مختلف الوحدات والفرق المختصة التابعة للجمارك التونسية بالتعاون مع الجيش حققت نتائج ملموسة بالكشف عن شبكات تهيب العملة.

وكشف عن أنه تم منذ يناير (كانون الثاني) إلى يوليو (تموز) هذا العام حجز مبالغ مهمة من العملة الأجنبية بلغت 3.5 مليون دولار منها مبالغ مهمة في الشهرين الأخيرين بتواتر عملية الحجز، لافتاً إلى أن هذا المبلغ مرتفع بالمقارنة مع السنوات الماضية.

الأزمات وارتفاع البطالة

وعن أسباب هذا الارتفاع أكد المتحدث باسم الجمارك “ربما حرص مهربو العملة على استغلال الظرف السياسي والاقتصادي الذي تمر به البلاد، وتركيز الأجهزة الأمنية على تأمين استقرار البلاد وفرض النظام للقيام بعمليات تهريب العملة عبر طرق متنوعة ومختلفة”.

ورجح أن الربح السريع والسهل جعل هذه “الآفة” تنتشر في مختلف الأوساط الاجتماعية، لتشمل قطاعات مهنية حساسة، فضلاً عن أن ارتفاع البطالة شجع العاطلين عن العمل على تعاطي نشاط تهريب العملة.

وخلص إلى أن الجهود متواصلة لتطويق تهريب العملة قدر الإمكان، لكنه لم ينف أن الظاهرة أخذت في التوسع في الفترة الأخيرة، من منطلق أنها تدر أرباحاً كبيرة وسهلة على الناشطين في هذا المجال المحجر قانوناً.

قوانين بالية

وعلق أنيس الوهابي، أمين عام اتحاد المهن الحرة في تونس، قائلاً “إن تنامي تهريب العملة في تونس مرتبط بأمرين أساسيين، يتعلق الأول بتفاقم الاقتصاد الموازي الذي أضحى يمثل جزءاً مهماً من الاقتصاد التونسي، وأن الدولة عجزت عن احتوائه على الرغم من العديد من الإجراءات التي سنتها في مختلف قوانين المالية”.

وشدد على أن توسع ظاهرة تهريب العملة من تونس أصبح جزءاً من المنظومة الاقتصادية ونتيجة طبيعية لها وليس حدثاً مستقلاً بذاته.

أما الأمر الثاني فيتعلق، وفق تصريح الوهابي، بقانون الصرف الذي وصفه بـ”البالي”، إذ يعود إلى عام 1976 ما خلق وفق رأيه فصاماً تاماً بين القطاع المنظم والقطاع الموازي.

ولفت في هذا الصدد إلى عجز القطاع المنظم عن استيعاب التطورات الحديثة والمتسارعة على غرار العملات الرقمية، في المقابل تبنى القطاع الموازي هذه العمليات وأصبح يديرها بطريقة سلسة وبأقل كلفة من تعريفات القطاع البنكي.

ودعا إلى وجوب تنقيح المنظومة القانونية والتشريعية في مجال العملة الأجنبية بتسليط عقوبات صارمة على المخالفين، متعجباً من أنه في حال حجز الأجهزة الأمنية أموالاً أجنبية بطريقة غير قانونية فإن القانون الراهن يكيفها على أنها مخالفة صرف وليست جريمة، وأن المعني بالأمر باستطاعته أن يجري صلحاً مع جهاز الجمارك فقط.

حلول ولكنها غير كافية

تسعى تونس لمجابهة تهريب الأموال إلى السوق الموازية ومكافحة غسل الأموال والتهريب، وذلك بمراقبة تدفق الأوراق المالية الأجنبية عبر أراضيها، ووفقاً لدراسة أنجزها البنك المركزي التونسي عام 2014 فإن 42 في المئة من العملة الأجنبية يقع تداولها خارج الدورة المالية المنظمة.

وحرصاً على تكثيف الجهود لتطويق الظاهرة أعلن المركزي التونسي في شهر فبراير (شباط) 2021 الشروع في استغلال منصة “حنبعل” التي تم إحداثها باستخدام تقنية الدفاتر الموزعة أو ما يعرف بـ”البلوك تشاين”، وستعنى بمراقبة النقل المادي للعملات الأجنبية عبر المعابر الحدودية في تونس بصفة دائمة.
وستسمح هذه المنصة الجديدة وفق تصريحات إعلامية لمحافظ البنك المركزي التونسي، مروان العباسي، بتحديد قيمة العملات الأجنبية المستوردة وغير القانونية.

ويقول لطفي حشيشة، كاتب عام اللجنة التونسية للتحاليل المالية التابعة للبنك المركزي، إن منصة “حنبعل” ستحدد مصدر الأموال وهوية العابرين الحاملين تراخيص جمركية، كما ستسمح بإعطاء فكرة محددة بشأن القيمة الإجمالية للعملة الأجنبية الموردة، التي لم يتم تسوية وضعيتها طبقاً لإجراءات الصرف سارية المفعول.

وأشار حشيشة إلى أن المشروع الجديد سيُمكن البنك المركزي من الوقوف على كل الأموال التي تنحرف عن مسارها الطبيعي ويتم تداولها في السوق الموازية أو في أعمال تهريب أو تبييض أموال، وهو ما من شأنه أن يدعم المنظومة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وعن أسباب إطلاق المنصة، أفاد عضو لجنة التحاليل المالية أنه تم رصد وتسجيل العديد من التجاوزات في متابعة النقد الأجنبي في تونس، من ذلك تبادل الأموال في السوق الموازية أو في بعض الأحيان رصدها في تمويل الإرهاب.

وعلى الرغم من حداثة هذه المنصة فإن عمليات تهريب العملة ما زالت تنخر الاقتصاد التونسي وتسهم في إضعافه، في ظل محدودية الحلول وضعف الترسانة القانونية بدليل استشراء الظاهرة في البلاد.

أرقام مفزعة 

وفي ظل تفاقم حجم الأموال التي تُهرب من تونس، كشف عبد الجليل البدوي، عضو الهيئة المديرة بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، عن أن حجم الأموال المهربة من تونس للخارج بلغ منذ عام 2015 إلى حدود نهاية عام 2020، 4.1 مليار دولار (خمس الموازنة العامة تقريباً)، فيما أشار إلى أن تهريب العملة بطرق غير مشروعة كان قبل 2011 في حدود 1.6 مليار دولار.

وخلص إلى أن الأموال المهربة بالعملة الأجنبية من تونس كفيلة بتمويل التنمية في البلاد وتحقيق مطالب الشعب المشروعة في الشغل والتنمية.