نار المازوت أحرقت ملياري دولار ضخّها القطاع السياحي في 3 أشهر

كتبت سلوى بعلبكي في “النهار “:

يعيش القطاع السياحي حالة غير مسبوقة من الارباك والتناقض. فإذا كان انخفاض سعر صرف الليرة مقابل الدولار الاميركي، قد أدى الى جذب السياح واللبنانيين المغتربين، إلا ان الازمات التي تعيشها البلاد من انقطاع شبه تام للكهرباء والمياه وفقدان المحروقات، وخصوصا المازوت وارتفاع اسعاره في السوق السوداء، كلها جعلت من القطاع يتحسر على فرصة لم يتسنَّ له اقتناصها أو الافادة منها… فاحترقت الدولارات التي جناها بنار الازمات التي استفحلت أخيرا.

والى تلك الازمات، جاء القرار الذي اتُّخذ اخيرا بضرورة الحجر الصحي لمدة 4 أيام للقادمين من بعض الدول ومن بينها العراق، على نحو فرمل مجيئهم، خصوصا اذا أخذنا في الاعتبار ان الفترة التي سيمضيها البعض هي 4 أيام أو اسبوع. وكذلك الامر بالنسبة الى اللبنانيين المغتربين الذين اختصروا فترة إقامتهم في لبنان تجنباً لمعاناة التفتيش عن المحروقات والادوية، وهذا كان واضحا من نسبة الإشغالات في الفنادق التي فرغت بدءا من منتصف تموز فيما كانت فترة الاقامة تمتد الى آخره.

يبدو نقيب أصحاب الفنادق بيار الاشقر محبطا من الحال التي وصلت اليها البلاد، “الذين آمنوا بالبلد اكلوا الضرب، أما الذين غادروا وأسسوا اعمالهم في الخارج فقد نفدوا بجلدهم” كما يقال.

هذه النتيجة توصل اليها الاشقر بعدما بات القطاع السياحي يتلقى الضربات الواحدة تلو الاخرى. إذ بعد السنوات العجاف الاخيرة، كان يمكن التعويل على الموسم السياحي الحالي على خلفية تدني سعر صرف الليرة مقابل الدولار بما يسمح للسياح بالافادة من هذه الفرصة وتمضية فترة اجازاتهم في لبنان، ولكن للأسف هذه الفرصة ضاعت مع كثرة الازمات الحياتية التي تستحكم بالبلاد. والى هذه الأزمات، يشير الاشقر الى ان أصحاب الفنادق يقبضون من الزبائن بالليرة اللبنانية فيما هم يشترون البضاعة بالدولار، لافتا الى أن الفترة التي كان يتحرك فيها الدولار صعودا “لم يكن في امكاننا زيادة الاسعار على الزبائن، علما أن اسعار كل السلع والمستلزمات التي نستخدمها في الفنادق ارتفعت نسبة لارتفاع الدولار”. ولا ينفي الاشقر ان الفنادق زادت اسعارها، ولكن “ليس بالمستوى الذي ارتفعت فيه اسعار الصرف، فعندما ارتفع سعر الدولار من 12 ألف ليرة الى 20 ألف ليرة، اي بزيادة نسبتها 60%، لم يكن في مقدورنا زيادة الاسعار بالنسبة عينها، خصوصا أن ثمة عددا لا يستهان به من اللبنانيين المقيمين يحبذون تمضية عطلة نهاية الاسبوع في منطقة بعيدة نوعا ما عن مكان سكنهم، بدليل أن نسبة الإشغال خارج بيروت تعدّت الـ 75%”.

وإذ لفت الى أن العراقيين أنعشوا القطاع السياحي في هذه الفترة، استغرب القرار الأخير بالحجر الصحي للقادمين من العراق و”كأنهم بذلك يقضون على كل بارقة امل قد تساهم في انهاض القطاع”.

ولكن إذا كانت الاوضاع بهذه السوء، ثمة سؤال يحضر عن سبب عدم لجوء أصحاب الفنادق الى الاقفال حتى اليوم؟ لا يستغرب الاشقر السؤال، فـ”الواقع الذي نعيشه لا يمكن لأي صاحب مؤسسة تحمّله. ولكن اصحاب الفنادق الصامدة حتى اليوم هم من اللبنانيين الذين يؤمنون بهذا البلد والذين ورثوا عن آبائهم واجدادهم المهنة، ويفضلون الاستمرار ولو بالعمل الجزئي، فيما الفنادق التي تديرها شركات أجنبية أقفلت كليا في انتظار ما ستؤول اليه الاوضاع”.

الشقق المفروشة: الوضع مزرٍ!
لا يختلف حال قطاع الشقق المفروشة عن باقي القطاعات السياحية، إذ أصابته لعنة أزمة فقدان المازوت واضطراره الى شرائها من السوق السوداء بأسعار مضاعفة، على نحو حدا بنقيب أصحاب الشقق المفروشة زياد اللبان الى القول إن “المازوت أحرق الدولارات التي ادخلها القطاع السياحي”.

فارتفاع سعر الصرف كانت له ايجابياته على القطاع الذي شهد اقبالا لافتا من العراقيين واللبنانيين المغتربين في الدول الافريقية والخليجية الذين استعانوا بالشقق المفروشة التي تتوافر فيها الكهرباء، اضافة الى عدد لابأس به من المصريين ونسبة أقل من الاردنيين.

في تموز الماضي كانت نسبة الإشغال مرتفعة، إذ راوحت ما بين 65 و70% في بيروت، أما خارجها فقدرت بنحو 55%. ولكن عندما استفحلت أزمة الوقود والكهرباء والأدوية غادر معظم السياح، علما ان فترة إقامة هؤلاء راوحت ما بين 5 و15 يوماً. “للاسف الازمة كانت قاسية جدا، وثمة مؤسسات بدأت بالاقفال بسبب أزمة المازوت والمياه، إذ ان أضعف الايمان أن تؤمن المؤسسات السياحية للنزلاء الكهرباء وخصوصا ليلا”، يقول اللبان الذي لم يشأ تحديد عدد المؤسسات التي أقفلت، ذلك أن “بعضها اقفل بشكل جزئي فيما الآخر اقفل موقتا في انتظار معالجة أزمة المازوت التي ساهمت بنسبة 90% في تراجع الحركة السياحية في كل المؤسسات، تليها أزمة المياه التي تأثرت ايضا بأزمة المحروقات حيث إن الصهاريج تجد صعوبة في نقل المياه الى مؤسساتنا بسبب عدم توافر البنزين، هذا بغضّ النظر عن ارتفاع سعر صهريج المياه الذي يضيف الى اعبائنا اعباء جديدة”.

لم تمر على قطاع الشقق المفروشة في تاريخه، أزمة كالتي يشهدها حاليا، علما أنه كان يمكن لارتفاع سعر الصرف أن ينشّط القطاع، خصوصا أن الاسعار انخفضت كثيرا مقارنة مع سعر الدولار بنسبة 70%. “كنا نتطلع الى موسم واعد، بيد ان أزمة المازوت وارتفاع اسعاره في السوق السوداء حالا دون انتظام العمل في هذه المؤسسات التي كانت تدفع شهريا اكثر من 150 مليون ليرة ثمن هذه المادة، ما حدا ببعضها الى الاقفال وعدم استقبال الزبائن”.

“القطاع أصبح منكوبا”، وفق توصيف اللبان، إذ ثمة عدد قليل من المؤسسات يعمل بنصف طاقته فيما البعض الآخر أقفل موقتا وعدد آخر اقفل نهائيا، وتاليا من غير الممكن أن يسدد أصحاب هذه المؤسسات الضرائب والرسوم والضريبة على القيمة المضافة، خصوصا “اننا لم نعد نستوفي الـ TVA من الزبائن”.

خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة (ايار وحزيران وتموز) إستطاع القطاع السياحي أن يضخ في الاقتصاد اللبناني نحو ملياري دولار، حيث كانت نسبة الإشغال الفندقي ما بين 65 و90% والحركة في المطاعم كانت نشيطة جدا. ولكن أزمة الوقود، وفق ما يقول الأمين العام لاتحادات النقابات السياحية جان بيروتي، “أثّرت كثيرا على الحركة التي كان في الامكان تمديدها الى نهاية شهر تموز أو آب. فغالبية المؤسسات أطفأت مولداتها أو قنّنت تشغيلها لعدم توافر المازوت حتى من السوق السوداء. يضاف الى هذه الأزمة، القرارات التي اتخذت في أول آب بالحجر على السائح العراقي 4 أيام، فيما لا تتجاوز اقامة غالبيتهم الـ 7 أيام”. وهذا الامر غير منطقي برأيه، مقترحا “اجراء Rapid Test في المطار للقادمين، والزام الفندق الذي يقيمون فيه بإعادة اجراء الفحص للتأكد من عدم اصابته بفيروس كورونا، علما أن نتيجة الـ Rapid Test أصبحت مضمونة 100%”.

ويضيف بيروتي ان “عدد الزوار الذين كانوا يدخلون عبر مطار بيروت نحو 14 ألفا يوميا، بينهم نحو 1200 عراقي، ولكن قرار الحجر جاء ليؤثر على الرحلات الآتية من العراق (5 طائرات يوميا)، ما أضاع على البلد دخول كميات من الدولارات الطازجة، في حين كان الاجدى اتخاذ قرارات تأخذ في الاعتبار العامل الصحي والاقتصادي الذي هو أولوية ايضا في هذه الظروف التي نمر بها”. ويشير الى ان “مبلغ الملياري دولار الذي ضخّه القطاع السياحي في فترة 3 أشهر، كان يمكن ادخال المزيد منه لو انه تم درس القرارات جيدا قبل تعميمها… وإذا لم نسترجع السوق العراقية، فإن ذلك يعني أننا نخرب بيوتنا بأيدينا”، مستهزئا في الوقت عينه بقرار “منع دخول الزبائن الى المطاعم ما لم يكونوا قد تلقّوا اللقاح، فيما موظفو وزارة السياحة الذين أوكلت اليهم مهمة مراقبة المطاعم غير ملقحين”.

“ثلاثة ارباع المؤسسات السياحية أقفلت بسبب عدم توافر المحروقات، فيما المؤسسات الموجودة في محيط بيروت تعمل حاليا بنسبة 30 أو 40%، ومن البديهي أنه عندما يتراجع الإشغال يصبح شراء المازوت من السوق السوداء غير مغر لصاحب المؤسسة الذي يفضل الاقفال في انتظار الفرج”، يؤكد بيروتي. اما المجمعات البحرية، وخصوصا تلك التي تضم شاليهات، فلها حكاية اخرى، إذ يوضح “ان أصحاب الشاليهات الفخمة طلبوا من الادارة ان تؤمن المازوت ولو من السوق السوداء بأي ثمن، ولكن الشاليهات التي يُعتبر اصحابها من ذوي الدخل المحدود، فإنها تشهد بعض المشاكل مع ادارات المجمعات، خصوصا انه ليس في مقدورها تأمين مادة المازوت أو شراؤها من السوق السوداء”.