في بورصة الاحتكار والانهيار…هل تزداد نسبة الوفيات نتيجة شحّ الأدوية؟

كتبت ليلي جرجس في “النهار”:

يبدو أنّ التاريخ يُعيد نفسه، كارتيلات الدواء في وجه الإصلاحيين. ومن لا يتذكّر وزير الصحّة في الحكومة الأولى في عهد الرئيس سليمان فرنجية برئاسة صائب سلام، الوزير إميل بيطار الذي خاض حرباً إصلاحية شرسة في وجه الكارتيلات انتهت باستقالته بعد تواطؤ مستوردي الأدوية مع السلطة.

هذه االمعركة التي خسرها الوزير أمام النافذين جعلته يكسب راحة ضميره. اليوم الواقع يتكرر مع مستوردين إضافيين ومحتكرين وأصحاب نفوذ سلطوي في وجه الشعب. ويقول بيطار في إحدى مقابلاته بأنّ “المستوردين يلجؤون إلى إيهام الرأي العام بأنّ المعركة هي بين الوزير وبين شركات الأدوية الأجنبية، فيما المعركة هي بين الوزير والقوى التي تحتكر الدواء، وهي معركة الشعب اللبناني بأسره. ولن أقبل بأن يصبح بعض المحتكرين للدواء أولياء على صحّة هذا الشعب وحياته وكرامته”.

أزمة الدواء تُعيد فصولها اليوم، احتكار، انقطاع وصحّة مهددة. الأزمة تتفاقم فهل يسبّب ضعف الرعاية الصحّية وعدم انتظام تناول الأدوية نتيجة انقطاعها، زيادة عدد الوفيات في لبنان؟

يشرح وزير الصحّة السابق جواد خليفة لـ”النهار”، أنّ “بعض الأجهزة والمعدّات التكنولوجية المكلفة التي كانت تساعدنا في الجراحات أو التشخيص، لم يعد بإمكاننا تحمل كلفتها، ما يدفعنا إلى العودة بشكل عامّ إلى الطريقة التقليدية والتفكير ملياً قبل إجراء أي خطوة، من دون أن يؤثر ذلك على صحّة المريض. على سبيل المثال لا الحصر، كان هناك جهاز لحرق الشرايين وقصّها أوتوماتيكياً، تبلغ كلفته 1000$، وكنّا نستخدمه لربط الشرايين، أما اليوم فنلجأ إلى الربط التقليدي”.

يسرقان مبرّدات ماء من داخل يسرقان مبرّدات ماء من داخل “محل ميكانيك”!رونالدينيو في بيروت اليوم!رونالدينيو في بيروت اليوم!

وعليه، يسعى الطبيب وفق اختصاصه، إلى معالجة المريض بأقلّ كلفة ممكنة والاعتماد على الفحص السريري وعدم المبالغة بإجراء الفحوص الطبّية والتصوير الطبقي.
ولا يخفي خليفة أننا “وصلنا في مرحلة سابقة في لبنان إلى اعتماد النهج الأميركي في معاينة المريض، (طبابة + حماية من القانون). وهذا ما حصل في فترة، حين اعتمد الطبيب استراتيجية إجراء كل شيء قبل مباشرة العلاج.
أما اليوم فستتغيّر ممارسة الطبّ (عند المريض والطبيب) انسجاماً مع الواقع. ولكن هذا لا يعني أبداً المساومة على الطبابة، بل العودة إلى الواقع بعدما شهدنا جموحاً عن الموضوعية والواقعية”.

ويرى خليفة أننا “أمام إشكاليّتين: إما نحن أمام مسؤول غير مبال، وإما شعب غير مكترث. نحن نتحدث عن دواء وصحّة مواطن، أين هي النقابات والثورة والأحزاب التي كانت تناشد بالإصلاح الاقتصادي؟ لا يمكن أن نلوم الدولة والشعب راضٍ ولا يعترض، الشعب فاسد كما الطبقة السياسية وإن بدرجات متفاوتة”.

يعترف خليفة بأننا أمام “مشكلة حقيقية تفوق كلّ التصورات من ناحية المسؤول أو المواطن. كانت أزمة انقطاع الأدوية تُسقط حكومات في السابق. وأتذكر جيداً عندما كنت وزيراً للصحّة وانقطع دواء سويسري Vincristine سعره 5$ ومصنعه في هنغاريا، واشترته إسرائيل وتعذّر من بعده وصوله إلى لبنان. وعند المناشدة بأهميته لأنه علاج أساسي للسرطان لم يسعَ أحد لشرائه لأنّ سعره 5$. وعليه، اشترى أحد وكلاء الجينريك كمية مصادَرة إلى أميركا، و”قامت القيامة وما ضل حدا ما حكي بالموضوع”. اليوم هل نسمع اعتراضاً وضجّة كما أثيرت في السابق على استبدال دواء سويسري بآخر أميركي؟”.
كذلك يستشهد وزير الصحّة السابق بحادثة أخرى قائلاً: “في إحدى المرّات انقطع دواء للكلى سويسري وتم استبداله بدواء آخر سويسري، والاثنين مسجلان في وزارة الصحّة. ومع ذلك أثار الموضوع ضجّة كبيرة. أما اليوم فالوضع كارثي، والأدوية التي رُفع عنها الدعم لا يمكن للمواطن تحمّلها وخصوصاً أنّ الرواتب ما زالت على حالها فيما السلع الأساسية والأدوية التي لا يمكن العيش من دونها تضاعف سعرها 8 مرات”.
ولا يخفي خليفة أنّ المشكلة كبيرة أكثر مما نتصور، وقد بدأت تؤثر على صحّة المواطنين، لأنّ بعض المرضى لا يمكنهم شراء الأدوية كما في السابق. أما بعضهم الآخر فيعزف عن إجراء جراحات ، فنشهد تراجعاً في مستوى صحّة الناس، ستظهر مفاعليه بعد سنتين وأكثر.
وفي النهاية، الدواء موجود ولكن ليس بمقدور كل العالم شراؤه. كما أنّ انقطاع الأدوية وتخلّي الناس عن الامتيازات الصحّية كإجراء الفحوص، سينعكسان على صحّة الناس في السنتين القادمتين. كلما أهملنا صحّتنا والاهتمام بها ازدادت نسبة الوفاة والمضاعفات.
وعن تأجيل الجراحات، يشير خليفة إلى أنّ “إحدى الشركات التي تقوم بشراكة مع المستشفيات، كشفت أنّ مثل هذه السنة كانت قد أجرت نحو 600 إجراء أساسيّ (صمامات قلب – روسورات – مفاصل – مغروسات). أما اليوم فتراجعت إلى حدود 200 إجراء نتيجة الأزمة، بمعنى آخر هناك 400 إجراء لم يحصل أو تمّ تأجيله أو لم يحصل المريض على العلاج اللازم”.
ما يتخوّف منه خليفة يوافق عليه رئيس “التجمع الطبّي الاجتماعي اللبناني” البرفسور رائف رضا، الذي يجد أنّ فقدان الدواء سيزيد الوفيات عاجلاً أم آجلاً، وخصوصاً عند مرضى الحالات المزمنة والمستعصية.

ويؤكد لـ”النهار” أنه ستزداد الوفيات برغم كلّ التبريرات التي ستحصل، لماذا؟ سنتحدث علمياً وطبياً. إذا لم يحصل مريض ضغط على أدويته التي كان يتناولها بشكل منتظم، فسيؤدي ذلك إلى مشاكل صحّية منها نشاف في الرأس أو نزْف. وإذا لم تُعالَج فسيؤدي ذلك إلى الوفاة. كذلك مريض القلب، الذي يجب تناول أدويته مدى الحياة، إن لم يحصل على علاجه بشكل متواصل فسيسبب ذلك عدم انتظام القلب وهذه مقدّمة للوفاة.

ولا يختلف الأمر لدى مريض السكّري، الذي قد يعاني مضاعفات إذا تعذّر تناول أدويته. فقد يؤدّي إلى مشاكل صحّية في القلب والعين والكلى، وتكون مقدّمة للوفاة. أما مرضى السرطان الذين يعالجون وفق بروتوكولات خاصّة، فلا يمكن إيقاف الدواء عنهم، لأنه سيكون بمثابة مقدمة للموت.
وفق رضا نحن “اليوم أمام تقاذف المسؤوليات والاتهامات. وعلى وزارة الصحّة تأمين بدائل الأدوية في كل البلديات والقرى وكل المناطق، لا فقط الاكتفاء بالدعوة إلى التوجه إلى مراكز الرعاية. الأدوية ليست موجودة، ويجب عدم الكذب أو الاختباء وراء إصبعنا، الشعب وضعه صعب جداً والدولة لا تحميه. نحن أمام شركات تحتكر الأدوية وتنتظر بيعه في السوق السوداء أو تحقيق أرباح أكبر. ومصرف لبنان لا يحرر الأموال لتأمين الدواء (برغم دفع مبلغ من الفواتير)، والدور الأخطر الذي يقوم به أصحاب الصيدليات بمعرفة أو غير معرفة، من خلال الدخول في هذه اللعبة الاحتجاجية. علماً أنّ الصيدلاني مؤتمن على صحة المواطن وخدمة الناس وعدم إقفال الصيدلية، وخصوصاً أنّ بعضها لم تلتزم الإضراب والإقفال”.

ويتأسف رضا “أن نصبح أمام عدم المسؤولية والمحاسبة، وتقاذف الاتهامات من منظار خاصّ. وكان مفترضاً بالوزير الذي كان في زيارة لتركيا تأمين الدواء على نفقة الوزارة، وتوزيعه على المراكز في مختلف المحافظات. فوزير الصحّة معنيّ بشكل مباشر، لأننا نتحدث عن قصّة حياة وموت وصحة مواطن، لا عن سلع غير أساسية وضرورية.

ونتساءل عن تقنين الكهرباء وتخزين الأدوية وفق الشروط الصحّية، وما قد يترتب عنها من مخاطر صحّية. وغياب الرقابة سينتج عنه مشكلة في جودة الأدوية ومنفعتها. ونتحدث عن هذه الإشكاليات وما قد يترتب عنها من مضاعفات صحّية لا من باب التهويل بل التحذير، فالكل مشارك في لعبة خطيرة وكل من يساهم في عدم تأمين الدواء مشارك في عملية قتل المواطن”.