الانقلاب يضع الاقتصاد التونسي على حافة الانهيار

ألقى انقلاب تونس، الذي جرى مساء أمس الأحد بظلاله على الوضع الاقتصادي والمالي والمعيشي برمّته، إذ زاد من ضبابية المشهد وأربك خطط المستثمرين المستقبلية وشركات السياحة ومجتمع المال والأعمال.

كما زادت المخاوف من دفع الاقتصاد المتأزم نحو الانهيار الكامل، عقب الانقلاب الذي جمّد أعمال البرلمان وأقال حكومة هشام المشيشي المنتخبة وخالف مواد الدستور.

وشهدت السندات الحكومية تراجعاً ملحوظاً في ردّة فعل سريعة على الأزمة السياسية المتفجرة، كما دخلت معظم أسهم الشركات المتداولة في البورصة في الدائرة الحمراء.

وما زال الغموض يكتنف الآفاق السياسية لما بعد انقلاب الرئيس التونسي قيس سعيّد، وتجميد البرلمان وإقالة حكومة المشيشي المنتخبة، وهي القرارات التي اعتبرها رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، وقوى سياسية، انقلاباً على الدستور.

غير أنّ الارتدادات الاقتصادية للأزمة السياسية المتفجرة أتت سريعاً من السوق المالية الدولية والبورصة، كما أن هناك مخاوف على قيمة الدينار مقابل الدولار في ظلّ توقعات بتراجع إيرادات البلاد من النقد الأجنبي في الفترة المقبلة.
وزادت المخاوف في الأوساط الاقتصادية من دفع الاقتصاد نحو الانهيار الكامل وربما الدخول في حالة تعثر وإفلاس مالي كما حدث في لبنان، في ظلّ غياب رؤية واضحة لإنقاذ مختلف القطاعات الاقتصادية من براثن الانقلاب الحالي والأزمة السياسية وتداعيات كورونا.

وحسب مراقبين تحدثوا اليوم الاثنين لـ”العربي الجديد” فإنّ الأزمات المعيشية ستتصاعد في ظلّ الانقلاب على مؤسسات الدولة والاضطرابات السياسية والأمنية المتفاقمة في البلاد، وانشغال المؤسسات الحكومية بتداعيات الانقلاب الخطيرة وغياب رؤية واضحة لإنقاذ مختلف القطاعات الاقتصادية التي تعاني من تداعيات الجائحة الصحية.
ليل الأحد الموافق للذكرى الـ64 لإعلان الجمهورية التونسية، أعلن سعيّد إعفاء رئيس الحكومة، وتجميد عمل واختصاصات المجلس النيابي لمدّة 30 يوماً، ورفع الحصانة البرلمانية عن كلّ أعضاء مجلس نواب الشعب، وجمع كلّ السلطات في يده.

تهاوي السندات الحكومية
وجاءت ردة فعل السوق المالية الدولية سلبية على انقلاب قيس سعيّد، فقد تهاوت سندات البنك المركزي من العملة الصعبة لتسجل هبوطاً مقابل ارتفاع مخاطر الدين العام للبلاد لتزيد من الاختناق الاقتصادي لتونس التي تواجه الوباء ومعدلات قياسية من الوفيات اليومية جراء فيروس كورونا.
ونزل إصدار السندات، التي ينتهي أجلها في عامي 2027 و2024، بأكثر من خمسة سنتات لكلّ منها، إلى أدنى مستوى منذ ما يربو على عام. ونزلت السندات التي ينتهي أجلها في 2027 عند 86.57 سنتاً في الدولار، بحسب بيانات “تريدويب”.
كما أظهرت البيانات أنّ إصدار السندات المقومة بالدولار التي ينتهي أجلها في 2025 نزل بمقدار 4.8 سنتات، ليتداول عند 83.88 سنتاً في الدولار، وهو أدنى مستوى منذ 14 شهراً.

كذلك، نزلت سندات مقومة باليورو لأجل 2024 بأكثر من ثلاثة سنتات إلى 86.348 سنتاً في اليورو، قرب أدنى مستوى في تسعة أشهر، وفقاً لـ”تريدويب”.

وفي هذا السياق، قال الخبير الدولي المتخصص في المالية، أيمن الوسلاتي، إنّ سندات البنك المركزي من العملة الصعبة تراجعت ما بين 4 و5 بالمائة صباح اليوم الاثنين، ليصبح مردودها ما بين 11 و13 في المائة بحسب العملة وتاريخ سداد الدين.

ووصف الوسلاتي في تصريح لـ”العربي الجديد” الوضع الاقتصادي لتونس بالغامض والخطير في غياب رؤية واضحة لاختيارات الرئيس سعيّد السياسية ومشروعه للتسيير الاقتصادي لتونس في الفترة المقبلة لمنع إفلاس البلاد أو انزلاقها نحو مخاطر غير محسوبة العواقب.
ووفق تقديرات الوسلاتي، فإنّ الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والمالي يحتاج إلى قرارات سريعة لتفادي هروب الأموال من البنوك والسحوبات المكثفة للمودعين لحساباتهم من الدينار التونسي أو العملة الصعبة خوفاً من سيناريو لبنان.

وأضاف الخبير الدولي المتخصص في المالية أنّ سعيّد مطالب بتوضيح موقفه من مواصلة المحادثات مع صندوق النقد الدولي بشأن برنامج التمويل الذي تحتاجه تونس بعدما أصبح الاقتراض من السوق الدولية أمراً شبه مستحيل، حسب قوله.
ورجّح الوسلاتي أن يصدر البنك المركزي التونسي قرارات سريعة لحماية رصيد العملة الصعبة ومنع انهيار الدينار الذي تهدده السحوبات المكثفة لأموال المودعين من العملة الصعبة، لكنّه توقع محافظة الدينار على استقراره بفضل السياسة النقدية التي يتمسك بها البنك المركزي.

كذلك، اعتبر أنّ المصير الاقتصادي للبلاد مرتبط بموقف الدول الداعمة لتونس، لا سيما الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية بشأن قرض صندوق النقد الدولي.

البورصة في الدائرة الحمراء
البورصة التونسية وسوق المال كانتا من أبرز القطاعات الاقتصادية المتأثرة سلبا بالانقلاب وقرارات سعيّد المخالفة للدستور رغم ضعف نشاطهما ومحدودية التداول بهما، إذ دخلت البورصة، يوم الاثنين، في الدائرة الحمراء، لجهة تكبدها الخسائر عقب الإعلان عن الانقلاب. وفقدت البورصة في جلسة يوم الاثنين أكثر 0.8 في المائة من قيمتها مع إغلاق حصة التداول كأول ردة فعل للسوق المالية.

وسجلت السوق المالية هبوط أسهم 29 مؤسسة مدرجة مقابل ارتفاع قيمة أسهم 6 مؤسسات فقط إلى جانب استقرار أسهم 15 شركة مدرجة. كذلك، لم يتجاوز عدد الأسهم المتداولة 571.253 سهماً بحجم تداولات لم يتجاوز 2.1 مليون دينار.

كاريكاتير انقلاب تونس / حجاج

وقال خبير البورصة، طلال عياد، لـ”العربي الجديد” إنّ الوضع الاقتصادي والسياسي ما زال غامضاً في البلاد، معتبراً أنّ حركة السوق المالية هي مرآة عاكسة للواقع في البلاد.

وأكد عياد أنّ بورصة تونس عرفت انخفاضات خلال كلّ الأحداث المفصلية التي عاشتها البلاد، مؤكداً أنّ مناخ الاستثمار يحتاج إلى تطمينات سياسية بالأساس لضمان استقرار تدفق الأموال وحركتها داخل السوق المالية.

وأضاف: “قد نحتاج إلى أيام أو أشهر من أجل عودة التداول في البورصة إلى نسقه العادي” معتبراً أنّ ذلك مرتبط باستقرار الوضع السياسي في البلاد أساساً.
وتعاني بورصة تونس منذ أشهر من ضعف التداول وتراجع الاستثمارات بسبب الأزمة السياسية وتداعيات انتشار الوباء.

ديون متفاقمة
وعلى مستوى الأزمة المالية المتفاقمة منذ أشهر، فإنّ هناك مخاوف من أن يقود انقلاب قيس سعيّد إلى دخول البلاد في حال تعثر مالي وربما إفلاس في حال عدم قدرتها على سداد أعباء الديون الخارجية المستحقة على البلاد.

ووفق أرقام رسمية تحتاج تونس خلال الأسبوع المقبل إلى توفير 500 مليون دولار لسداد دين خارجي يحلّ أجله يوم 5 أغسطس/ آب المقبل، وهو أوّل اختبار اقتصادي مهم قد تواجهه البلاد ما بعد 25 يوليو/ تموز.

وكانت تونس قد تمكنت من سداد دين خارجي بقيمة 506 ملايين دولار الأسبوع الماضي بتدخل من البنك المركزي التونسي الذي ربما يكون قد استقطع المبلغ من احتياطي البلاد من النقد الأجنبي. وسمح البنك المركزي بتدخل مباشر منه بتوفير ما قيمته 1.4 مليار دينار في شكل سندات قصيرة الأجل (13 أسبوعاً) لمواصلة تمويل الموازنة وتوفير السيولة اللازمة للبنوك.
في المقابل، أبقى البنك المركزي السبت الماضي، مجلس إدارته في حال انعقاد دائم مبدياً اعتراضاً على قانون الإنعاش الاقتصادي الذي أقره البرلمان مؤخراً.
وقال البنك المركزي التونسي إنّ قانون إنعاش الاقتصاد “تضمن إجراءات تؤدي إلى عرقلة قيادة السياسة النقدية، وتؤثر في بعض الالتزامات الدولية لتونس وقدرة البلاد على مواصلة تعبئة التمويلات الخارجية الضرورية”.

وأضاف المركزي التونسي، السبت، عقب اجتماعه الاستثنائي الذي عقده يوم الجمعة الماضي، أنّ “القانون الجديد يمس بصفة مباشرة مبادئ وآليات عمل البنك والأهداف التي يتحمل هذا الأخير المسؤولية المباشرة في تحقيقها”.

ودعا المركزي التونسي في بيانه إلى “ضرورة التنسيق بين مختلف الأطراف المعنية في خصوص الإجراءات على الصعيد الاقتصادي والمالي، نظراً لحساسية هذا المجال في الوقت الراهن”.

توزر - إتلاف مكتب حركة النهضة - تونس - فيسبوك

وفي هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي، محمد منصف الشريف، أنّ البنك المركزي وجّه من خلال بيان مجلس إدارته رسائله إلى الخارج بالأساس خوفاً من تداعيات خطيرة لقانون الإنعاش الاقتصادي على الصلاحيات النقدية للبنك المركزي، لا سيما تلك المتعلقة بعمليات التحويل المالي بالعملة الصعبة.

وأفاد الشريف في تصريح لـ”العربي الجديد” أنّ الأزمة السياسية في البلاد تزيد الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للتونسيين تعقيداً، متوقعاً أن تمتد ارتدادات الأزمة إلى ما بعد عام 2022.
كذلك، رجّح الشريف أن تواجه تونس صعوبات في توفير أجور موظفيها نتيجة العجز المتفاقم في الموازنة العامة، معتبراً أنّ إصلاح أوضاع المالية العمومية من أولويات المرحلة المقبلة.
لكنّ معاناة التونسيين من انحسار الدخول والأزمة الاقتصادية ستستمر، بحسب الشريف، الذي لا يرى انفراجاً قريباً في الأفق، متوقعاً تأجيل المستثمرين الأجانب والمحليين لكلّ مشاريعهم إلى حين انقشاع الغيمة من سماء البلاد.

شرارة الأزمات المعيشية
واجهت حكومة المشيشي التي أنهى سعيّد مهامها ليل الأحد، بقرارات انقلابية، في أكثر من مناسبة، احتجاجات شعبية لعدة أسباب أبرزها هشاشة الوضع الاقتصادي والأزمة المالية الخانقة.
وضرب الوباء تونس في الوقت الذي كانت حكومة المشيشي تكافح فيه لإنقاذ الاقتصاد الذي يعاني منذ ثورة 2011 بسبب حوادث الإرهاب والاحتجاجات والإضرابات العمالية خصوصاً في قطاع الفوسفات.
وقال المتحدث الرسمي باسم منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر، إنّ الانفجار الاجتماعي متوقع بسبب تصاعد الأزمة والتوتر السياسي بين أطراف الحكم. ورجح بن عمر أن تتواصل التحركات الاحتجاجية في الفترة المقبلة بعدم زوال الأسباب الحقيقية للوضع المتفجر في البلاد.

وقال: “ستشعر الطبقات الضعيفة والمفقرة أكثر فأكثر بتبعات الصدام السياسي في البلاد” متوقعاً أن يطاول الضعف “كلّ الخدمات العامة بسبب أزمة المالية العمومية”. كما لاحظ بن عمر خروج الاحتجاجات الأخيرة التي سبقت قرار الانقلاب عن سياقاتها وأشكالها التقليدية بالمطالبة برحيل الطبقة السياسية برمتها هذه المرة.

تحذيرات اتحاد الشغل
الاتحاد العام التونسي للشغل، النقابة الأكثر تمثيلاً في تونس، اعتبر في بيان صدر اليوم، أنّ الأزمة التي وصلت إليها البلاد سبق أن نبهت إليها المنظمات إلى خطورة الوضع في البلاد الذي وصل حدّ تعطّل دواليب الدولة وتفكّك أواصرها وأجهزتها وتردّي الوضعين الاجتماعي والاقتصادي.
وقال الاتحاد إن الأزمة السياسية عمقت معاناة الشعب وزادت الفوارق بين الفئات والجهات وتسببت في تفشي الفساد ونهب المال العام واستشراء مظاهر المروق على القانون وخرقه بالغلبة طوراً وبتطويع التشريعات والأجهزة ومنها القضاء طوراً آخر.

وعبر الاتحاد عن حرصه على إرجاع السير العادي لدواليب الدولة وفي ظلّ تفشّي كوفيد-19، واحترام الدستور واستمرار المسار الديمقراطي واعادة الاستقرار للبلاد واسترجاع طاقتها في البناء والتقدم.

قرض صندوق النقد
عرقل الجمود الحكومي جهود التفاوض على قرض من صندوق النقد الدولي الذي يعدّ حاسماً من أجل استقرار المالية العامة للدولة، لكنّه قد يشمل أيضاً خفضاً في الإنفاق من شأنه أن يزيد من معاناة الشعب الاقتصادية.
وتعاني تونس من انكماش تاريخي في نموها الاقتصادي بلغ -8.8 في المائة بسبب تداعيات الإغلاق وتفشي كورونا وتأثيرها على القطاعات الحيوية في البلاد.
كذلك تسبب الوباء في تفشي الفقر في البلاد وارتفاعه إلى معدلات قياسية فاقت 20 في المائة وهو من بين أعلى المستويات التي وصلتها البلاد في العقد الأخير. كما تعاني البلاد من مديونية عالية فاقت الـ100 في المائة من الناتج الداخلي الخام، فيما ما زالت السلطات تفاوض دوائر القرار المالي العالمي من أجل قروض جديدة.

تعاني تونس من انكماش تاريخي في نموها الاقتصادي بلغ -8.8% بسبب تداعيات الإغلاق وتفشي كورونا وتأثيرها على القطاعات الحيوية

وتتوقع ميزانية تونس لعام 2021 أن تبلغ احتياجات الاقتراض 7.2 مليارات دولار، منها نحو 5 مليارات قروضاً خارجية. ويعني هذا أن تبلغ مدفوعات سداد الديون هذا العام 5.8 مليارات دولار، منها مليار دولار في يوليو/تموز الجاري وأغسطس/آب المقبل.
وكانت وكالة “فيتش” للتصنيفات الائتمانية قد خفضت مؤخراً، تصنيف تونس من “بي” إلى “بي سالب” مع زيادة مخاطر السيولة المالية الخارجية، بسبب التأخير في التوصل إلى اتفاق على برنامج تعاون مالي جديد مع صندوق النقد الدولي.