خبراء يشككون بالخطة الأوروبية الخضراء: مخاوف حول توزيع الخسائر

يسعى الاتحاد الأوروبي، من خلال خطته الخضراء وخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري، للوصول إلى عام 2030 محققاً هدفه بخفض الانبعاثات الضارة من ثاني أكسيد الكربون بنسبة 55 في المائة. وفي سياق تلك الخطة سيتعين تسهيل استخدام السيارات الكهربائية، والوصول إلى حظر بيع سيارات البنزين والديزل بحلول 2035، بالإضافة، إلى مسعى فرض ضرائب على الطيران، بما في ذلك ضرائب بيئية على الشركات التي تعمل في المجال الأوروبي.

وتثير مسألة الإلغاء التدريجي لبيع سيارات محركات الاحتراق الداخلي، على مستوى الاتحاد الأوروبي، جدلاً كبيراً في الدول الأعضاء، كما تتم إثارة إشكالية إلغاء استخدامات الطاقة الأحفورية على دول غير قادرة على إيجاد بدائل بحلول 2035.

وتتزايد التحذيرات من أخطار تتعلق بالشارع الأوروبي، الذي سبق أن شهد احتجاجات في باريس، عرفت بتظاهرات “السترات الصفراء” نتيجة فرض ضريبة على الوقود. ولتجنب الحالة السلبية، تذهب المفوضية الأوروبية إلى وعود (على البرلمانات الوطنية مناقشتها وتبنيها) بإنشاء صناديق دعم المواطنين الذين يواجهون مشاكل تحمل تكاليف التدفئة في بيوتهم أو وقود سياراتهم، خشية من تكرار مشهد السترات الصفراء الباريسية، على نطاق أوروبي أوسع.

ولا يتعلق الأمر فقط بمجالي السفر الجوي والسيارات، فالتعريفات المناخية التي ستحدّ من استخدامات الوقود الأحفوري ستشمل قطاعات إنتاج أوروبية مختلفة، وأهمها تلك التي تنتج على سبيل المثال الأسمنت والفولاذ أو الألومنيوم، والأسمدة والكهرباء وغيرها.

كما سيتعين على المستوردين بدءاً من 2026 دفع ضرائب المناخ كما لو أنّها بضائع صنعت داخل الاتحاد الأوروبي، وهو ما سيجعل الخطة الأوروبية أيضاً تصطدم بمصالح دول أخرى، كروسيا وأميركا والصين.

وبحسب مدير سياسة الطاقة الأوروبية في مركز الأبحاث الألماني “Agora Energiewende” ماتياس باك، في تعقيبه على الخطة، فإنّها “لحظة الحقيقة بأن يظهر المشروع الأوروبي قدرته على حماية المناخ لأجل مستقبل أطفالنا”. بل ذهب وزير المناخ الدنماركي، دان يورغنسون، إلى اعتبار تطبيق بنود الاتفاقية مؤشراً على “تبرير وجود الاتحاد الأوروبي، وإظهار أنّنا قادرون على الوفاء بهذه الأجندة”.

وعلى مستوى الشارع الأوروبي ثمة تباين في مسائل الوعي والقدرة على تنفيذ سياسات التحول إلى الطاقة الخضراء، فالخطط الساعية لخفض الانبعاثات من قطاعات صناعية، بما فيها قطاع البناء، والنقل، ربما تثقل كاهل المستهلك النهائي، وهو ما يُنظر إليه على أنّه “غير عادل مجتمعياً” بحسب ما ذهب بعض الخبراء.

وفي السياق ذاته رأت مديرة “برامج سياسات المناخ في بروكسل، باربرا مارياني، أنّ “الانتقال من الوقود الأحفوري في البناء والنقل تحديداً سيحقق للبعض أرباحاً، لكنّه سيرهق المواطنين”.

ورغم أنّ الوعي كبير بضرورة الالتزام بإبقاء الاحترار العالمي أقلّ من 1.5 درجة مئوية، يخشى البعض في معسكر اليمين أن تؤدي تلك السياسات إلى فجوة يدفع ثمنها مواطنو الدول الثرية في الاتحاد الأوروبي، مع بروز تذمر قومي متشدد في المجر وبولندا ودول شرق أوروبية أخرى لناحية قطاع الصناعة والنقل.

ورأى مدير مكتب “السياسات البيئية الأوروبية” في بروكسل، باتريك تن برينك، أنّ الخطة الأوروبية الطموحة “وإن كانت فن الممكن فإنّها ستجعل صرخات المواطنين تتزايد”.

وفي الاتجاه نفسه، اعتبر خبراء أوروبيون آخرون أنّ صناعة السيارات ستكون مضطرة للمسارعة في إنتاجها الكهربائي لمواكبة الوصول إلى أهداف 2035، التي ينشد من خلالها الاتحاد الأوروبي وقف بيع الديزل والبنزين، أو تداول السيارات التي تعمل بالوقود الأحفوري، وهو ما قد يولد شعوراً بالنقمة لدى بعض المصنّعين مقابل رضى آخرين كمنتجي السيارات في ألمانيا الذين يسارعون منذ سنوات لزيادة إنتاج السيارات الكهربائية والهجينة.

وشرح كبير مسؤولي سياسات المناخ والاقتصاد في المجلس الاقتصادي الأوروبي، دافيد سابادين، أنّه على الرغم من الترحيب بمبدأ كفاءة الطاقة أولاً، للتحول الأخضر، إلّا أنّه “من المؤسف أنّ الحزمة الأوروبية تبالغ كما لو أنّها تملك عصا سحرية لإزالة الكربون من جميع القطاعات، بما في ذلك إهدار الموارد باهظة الثمن لفرض أنماط إنتاج واستهلاك مختلفين”.